نقاش في الدعائية الإعلامية وشيطنة الأقليات
(سعد يكن)
كثيرة التقارير والتحقيقات الإعلامية التي تتابع الوضع السوري. هذا الوضع هو الانتقال من وضعية ما قبل سقوط الأسد إلى بداية تشكّل النظام الجديد. تحليلات بالجملة تبدّلت مع هذا التبدّل، وكذلك المصالح والعلاقات الدولية. وبالتالي؛ صار لا بدّ من التدقيق في مثل هذه التقارير. فهناك وظائف سياسية وأمنية، وغير إعلامية، تتصل بكل ما يُنشر عن سورية. وتبدو بعض هذه التقارير منشغلةً بمتابعة دقيقة لسياسات السلطة وممارساتها، ومنها ما يتابع مشاريع "فلول الأسد"، وبعضها يتناول تيار الشيخ حكمت الهجري أو الشيخ غزال غزال أو مظلوم عبدي وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). إن جانباً من هذه التقارير والتحليلات سليم، لكنّها تفتقد إلى الشفافية، إذ من النادر إعلان المصادر أو دعمها بمراجع مثبتة. وبالتالي؛ هناك وظيفة سياسية بارزة لها. أين هي المشكلة الفعلية في سورية؟
أولاً، هناك أزمات كبرى ورثتها السلطة الجديدة، وتبدو أنها غير قادرة بعد على مواجهة تحدّياتها: أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ووطنية. ويتصل عدم قدرتها بأنها تتبنّى رؤية تستأثر بالسلطات كلّها، وبإدارة الدولة، ولصالح كتلة صلبة من هيئة تحرير الشام (المنحلّة)، وهذا ما دفعها إلى طلب الشرعية من الخارج وعبر الوسطاء الإقليميين، لكن ذلك أضعف من قدرتها على المواجهة، وأوجد لها أزمات جديدة. وهناك ثانياً، أزمات تتعلّق بالموقف من العلويين، وقد استُبيحوا بمجازر وانتهاكات لم تتوقّف، وبالدروز الذين تلقوا مجازر أيضاً، واتجهت كتلة كبيرة منهم نحو المطالبة بـ"الاستقلال". وهناك الأكراد (قسد) الذين يسيطرون على أكثر من 30% من مساحة سورية، وأهم مواردها الباطنية والزراعية، وهناك التحدّي الوطني بسبب تقدّم القوات الصهيونية وتهديدها للجنوب السوري، وبالطبع لسورية كلّها. ما العمل مع هذه التحدّيات كلّها، وسواها؟
أزمات كبرى ورثتها السلطة الجديدة، تبدو أنها غير قادرة بعد على مواجهة تحدّياتها
تعقّد هذه الأزمات لا يمكن الهروب منه إلى التركيز في خطاب تقارير تُشيطن الدروز أو العلويين أو الأكراد، أو تُشيطنهم مجتمعين عبر الحديث عن إقامة صلات بين الجميع، والادّعاء أن مشكلات سورية تكمن في هذا الاجتماع، كما تحلّل تقارير كثيرة أصبحت بروباغندا (دعاية) إعلامية، وتستبدل بالواقع وأزماته وطبيعة المرحلة الانتقالية ومتطلّباتها، خطر دور الدولة الصهيونية أو بعض الشخصيات المحسوبة على النظام القديم، أو حتّى إيران وحزب الله. هذا الشكل من التعاطي مع أزمات الداخل لا يقود إلى تفكيكها، بل إلى تعفّنها وزيادة الشقاق بين دمشق والساحل والسويداء والحسكة. فهل من مصلحة حقيقية لسلطة دمشق بذلك؟ ثم هل من مصلحة لبقية الأطراف في الداخل بذلك؟
هناك مصلحة للدولة الصهيونية في تأزيم الوضع الداخلي السوري، وكذلك لإيران أو لحزب الله أو لروسيا، وأيضاً لتركيا، عند أيّ خلل من سلطة دمشق. هذا يجب وضعه في الحسبان، قبل وبعد أن تخفت هذه البروباغندا أيضاً. إنّ استغلال هذه البروباغندا، وبدءاً بتقرير "واشنطن بوست" (تحدّث عن دعم إسرائيل لقوات حكمت الهجري)، من أجل رفض السير نحو التشاركية مع الدروز والعلويين والأكراد، والدفاع عن مركزية السلطة واحتكار الدولة، هو خيار فشل منذ 8 ديسمبر (2024). ولكن لنفترض فعلاً أن هناك غرفاً مظلمة وتنسيقَ بعض الأطراف مع الاستخبارات الصهيونية، فكيف ستجري مواجهتها؟ أليس هذا هو السؤال؟... لقد فشل الخيار الأمني والعسكري في مواجهة هذه القضية. وبالتالي؛ هناك الخيار السياسي: الحوار، التفاوض، عقد مؤتمر وطني عام، الدعوة إلى انتخابات للمجالس المحلّية وللإدارات المحلّية وللنقابات، واستقلال أوسع لإدارات المحافظات عن العاصمة (لامركزية إدارية حقيقية). وهذا الخيار يفتح نقاشاً وطنياً لمواجهة الأزمات القديمة والجديدة كافّة. هذه هي المداخل التي ستعزل الجهات الرافضة لسلطة دمشق، الرافضة منذ "8 ديسمبر"، وستنقذ السلطة من الفشل كذلك.
رفض التشاركية هو الذي أعلى من دور الشيخَيْن حكمت الهجري وغزال غزال، وهناك المجازر. إن تجفيف التأزّم الشديد مع السوريين العلويين والدروز والأكراد يكون بالتشاركية. وهناك تأزم شديد مع تجار المدن وصناعييها، وكذلك مع السنّة الأشاعرة، وهم أغلبية السنّة. هناك مساران لمواجهة الأزمات: إمّا الاستمرار في رفض التشاركية، وهو ما سيدفع الفئات المتضرّرة إلى أحضان الدولة الصهيونية أو روسيا أو أميركا، والابتعاد عن السلطة، وربّما ترك البلاد، والحرب الأهلية... أو مسار التشاركية وتخفيف سطوة الهيمنة السلفية على السلطة والدولة. الاستناد إلى الشفافية في سياسات السلطة كافّة، وفي ممارسات قيادات الدولة، سيقود إلى تجفيف منابع هذه البروباغندا، التي تستقي أسباب انتعاشها من غياب الشفافية، لكنّها كذلك ستقلّص مساحات الجماعات الرافضة للسلطة.
تتشكّل تدريجياً مظلومية درزية وعلوية، وهناك مظلومية كردية قديمة. إن تأخّر الدعوة إلى مؤتمر وطني عام، والاستمرار في التجييش الطائفي وبثّ أشكال الكراهية كافّة، ستؤدّي إلى تعميق تلك المظلوميات، وأيضاً إلى تعميق المظلومية السُّنية. تحظى السلطة بقدر كبير من الشعبية، وهو ما يتيح لها شرعية أكبر من شرعيات تأتي من الخارج. وبالتالي؛ ورغم تراجع شعبيتها بسبب تعدّد الأزمات أعلاه، وعدم السير في العدالة الانتقالية، فهي تستطيع الإشراف على مبادرة وطنية جامعة، كما أشرنا لبعض قضاياها. ولكن السؤال: لماذا ترفض هذا المسار؟ أليست هناك اشتراطات أميركية وبريطانية وأوروبية تتعلّق بالانفتاح عليها؟ وهناك اشتراطات مجلس الأمن الدولي في القرار 2799، وكلّها تتصل مباشرةً بتشكيل حكومة شاملة وبضمان حقوق الأقليات، والحقوق السورية في الجولان.
السلطة مستمرّة في إدارة ظهرها للتّشاركية، وهذا مصدر للتأزم الداخلي وأساس الابتزاز الخارجي
تركيز أوساط السلطة على تقارير لا تشكّل تهديداً حقيقياً لها أمر خاطئ، وهي سياسة قصيرة المدى لتأجيل مواجهة التحدّيات أعلاه. ونقصد: ما التهديد الجديد في تقرير "واشنطن بوست" لسلطة دمشق، أو تقارير أخرى عن أدوار لضابط أبله مثل سهيل الحسن أو شخصية غير شعبية مثل رامي مخلوف مثلاً؟ وأيضاً: هل يشكّل ما أصبحت عليه السويداء أو غزال غزال في الساحل تهديداً حقيقياً للسلطة؟ أيضاً: ألا يشكل موقف "قسد"، وانفتاحها على السلطة، مؤشّراً واضحاً أن الدعم الأميركي لها محدّد بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعدم المواجهة مع دمشق؟
هناك سياسات على السلطة أن تتجّه نحوها، كما أوضحنا، ومن دون ذلك هناك المزيد من التأزّم. وهذا سيكون خطيراً في حال حدوث أيّ خلافات كبيرة مع الخارج، أو المزيد من تأزّم الأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تتأزم أكثر. وهناك تعقيدات قضية الفصائلية داخل الجيش وضمن تحالفات السلطة كذلك، وهناك "داعش" الذي يمكن توظيفه لصالح سياسات إقليمية.
السلطة مستمرّة في إدارة ظهرها للسياسات التشاركية، وهذا هو المصدر الرئيس للتأزم الداخلي والمصدر الأساس للابتزاز الخارجي. عام مضى ولا يزال الدعم الخارجي هشّاً، وليست هناك استثمارات واسعة، ولا يزال الاستقرار الأمني ضعيفاً. وأيضاً تشكّل حالة الانقسام: السويداء و"قسد" و"الساحل"، سبباً مركزياً للإبطاء في الانفتاح الدولي والإقليمي على دمشق. إذاً، أيّ فائدة من "الاحتفاء" بتلك التقارير وشيطنة الأقليات الدينية والقومية؟ هذه قضية خاسرة بالكامل للسلطة وللجماعات النافذة في السويداء والساحل والأكراد، بل ولسنّة المدن.