نفح الطيب في تلفيق هوليوود العجيب
(عمران يونس)
وجد كاتب هذا المقال أنَّ السينما الأميركية حرصت في العقود الأربعة الماضية على ندب منصب المحقّق البوليسي للسود، كأنها "كوتا سينمائية". وكانت شخصية المحقق البوليسي (هيركول بوارو، شرلوك هولمز، كولومبو) في السينما الغربية مطبوعةً بالودّ، ومشهورةً بارتداء معطف طمر قديم، يدخّن مثل قطار على الفحم، بسيط حدّ التصوّف، لطيف، مرح. أمّا المحقق السوري فمثاله المساعد جميل في "حكم العدالة"، يضرب المتهم بالعصا مستخرجاً منه الحبّ والنوى. أمّا المحقّق المصري، فمسربلٌ بالبذّة البيضاء، غاضب على الضعيف، خانع للشريف، له عبارات مشهورة: "إنت بتسطعبط يا روح أمك، قول حاحا". وكانت السينما الهندية تحرص على عدالة شبّاك التذاكر في خطاب الجمهور المسلم، فمساعد البطل غالباً مسلم اسمه محمود في الأفلام كلّها، التي يتغيّر فيها اسم البطل الهندي الهندوسي.
برزت في السبعينيات موجة أفلام أميركية وصفت بـ"Blaxploitation" (أفلام استغلال السود) مثل: "شافت" (1971)، و"سوبر فلاي" (1972)، قدّمت صورةَ المحقّق أو الشرطي الأسود القوي، الذكي، الجريء، الذي يواجه العصابات والفساد. انقلاباً على معهود صورة الأسود "المجرم" أو "الخادم"، وتكفيراً عن قرنين من الظلم والعسْف، ثم دخل الأسود في الثمانينيات فارساً إلى أفلام الأكشن البوليسية السائدة مثال ذلك إيدي مورفي في "بيفرلي هيلز كوب" (1984)، الذي جمع بين الكوميديا والذكاء والتمرّد، وداني غلوفر في "ليثال ويبون" (1987)، مثالاً للشرطي المخضرم الحكيم إلى جانب شريكه الأبيض المتهوّر. لاحقًا ظهر دينزل واشنطن في "تريننغ داي" (2001) رمزاً للبطولة الشعبية. غالباً الشرطي الأسود أعدل من زملائه البيض الأطيّش. ثمّ تلتها مرحلة نَوَسان شخصية الشرطي الأسود بين الواجب والانتماء إلى المجتمع. مثال ذلك "ذا واير" (2002 - 2008) و"سيفن سيكند" (2018) و"بريدجز" (2019). ثم ظهرت شخصيات مثل مورغان فريمان في أدوار المحقق الذكي "كيس ذا غيرلز-7".
أسباب هذه القفزة السينمائية هي التحوّلات الاجتماعية وازدياد الوعي بالمساواة العرقية بعد حركة الحقوق المدنية، والتحوّلات الاقتصادية ورغبة في استعصار جيوب الجمهور الأسود وأفئدتهم أيضاً، وتنويع الحبكة السينمائية خلاصاً من الأنماط السائدة وتطوّر الذوق الفنّي. شخصية المحقّق الأسود غالباً أكثر عمقاً وواقعيةً، وفيها صراعٌ أخلاقيٌّ ووجوديٌّ. لاحقاً، أصبح الشرطي الأسود رمزاً للمقاومة والعدالة في وجه نظام عنصري.
لم يكن ظهور المحقّق أو الشرطي الأميركي الأسود مجرّد تنويع درامي، إنما كان تحوّلاً ثقافياً وسياسياً بدأ في السبعينيّات ردّاً على العنصرية، وتطوّر ليصبح اليوم جزءاً من الهوية الدرامية الأميركية. لكن الأمر تجاوز الحدّ والصاع والمدّ، مثل ذلك تاجر العبيد دينزل واشنطن في الجزء الثاني من فيلم المجالد (غلاديتور) الذي يجلس على السدّة في الحلبة الرومانية، وهو إفكٌ مبين، ثم بلغ التلفيق مداه عندما ظهر الأسود في بانثيون الآلهة أثينا، مع أبولو وزيوس (Wrath of the Titans)، فاتسع الخرق على الراقع.
ورد في كتاب "نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب"، للمقرّي التلمساني، هذا المقطع العجيب: أنَّ طارق بن زياد حاصر العلوج ثلاثة أشهر، ثمّ أمر عبداً من عبيده اسمه رباح، وكان ذا بأس ونجدة، بالكمون في جنان كثيفة الأشجار إلى جانب الكنيسة، لعلّه أن يظفر بعلج يقف له على حقيقة القوم، فبصر به القوم وشدّوا عليه، فأخذوه فأسروه "وهم في ذلك هائبون له مُنكرون لخلقه، إذ لم يكونوا عاينوا أسود قبله، فاجتمعوا عليه، وكثر لغطهم وتعجبهم من خلقه، وحسبوا أنّه مصبوغ أو مطليّ ببعض الأشياء التي تسوّد، فجرّدوه وسط جماعتهم، وأدنوه إلى القناة التي منها كان يأتيهم الماء، وأخذوا في غسله وتدليكه بالحبال الحرّش، حتى أدموه وأعنتوه، فاستغاثهم، وأشار إلى أنَّ الذي به خلقة من بارئهم، عزَّ وجلَّ، ففهموا إشارته، وكفّوا عن غسله، واشتدّ فزعهم منه، ومكث في إسارهم سبعة أيام لا يتركون التجمّع عليه والنظر إليه إلى أن يسّر الله له الخلاص ليلاً".
السينما الأميركية تكذّب الواقع وتزوّره وتزوّقه، فأمر الواقع العنصري مثاله الشهير المرحوم فلويد ابن المرحوم كونتا كينتي.