نعم للحكايا الخرافية

نعم للحكايا الخرافية

14 سبتمبر 2021
الصورة

(بن موزلي)

+ الخط -

لا، ليست الحكايات الخيالية والخرافية التي نرويها لأطفالنا قبل النوم بهذا السوء، أو بتلك السذاجة والبراءة. لا، هي لا تفصلهم عن واقع الحياة، ولا تتلخّص فقط بدروسها الأخلاقية ونهاياتها السعيدة. الحكايات تعلّم الأطفال الكثير عن الحياة، وعمّا تتضمنّه من محرّمات وموانع تقف أمام شهيتهم إلى الحياة، وتحدّ أحلامهم التي لا تعرف حدودا، وهي بذلك تعلّمهم تقبّل النقص والحرمان.
في كتابه القيّم الذي يحمل عنوان "تحليل نفسي لحكايا الساحرات" (1998)، يخبرنا المحلّل النفسي، برونو بيتيلهايم، أن من مزايا حكايات الأطفال طرحُها المشكلات الوجودية بطريقة واضحة ومقتضبة ليفهمها الصغار، وسذاجتُها التي تبسّط كلّ القضايا، فالشخصيات مرسومة بوضوح، وكل ما هو ثانوي فيها متروكٌ جانبا. وعلى عكس معظم الحكايات الحديثة، الشرّ في الحكايات الكلاسيكية المعروفة، أيا كان مصدرها الثقافي والجغرافي، حاضرٌ دائما ومنتشرٌ، مثله مثل الخير والفضيلة. والشرّ هنا ليس فكرةً مجرّدة بما أنه متمثّلٌ في شخصية وفي أفعالها، وهو ما يعني أن على الإنسان الذي يملك في داخله الاتجاهين النقيضين أن يصارع لينتصر عليه.
بيد أن خسارة الشرّير في النهاية أو العقاب الذي يناله لا يصنعان وحدهما الأثر الأخلاقي للحكاية، وهما، وإن أخافا الطفل، فإن مفعولهما يبقى في الحقيقة سطحيا. الفعالية الحقيقية للحكاية تتأتّى عن الإغراء الذي تمارسه على الطفل عمليةُ التماهي مع البطل في كل المحن التي يمرّ بها، وصولا إلى تغلّبه على الشرّ وفوزه في النهاية. الطفل يتماهى مع البطل من دون محفّز خارجي، إنها عمليةٌ تلقائيةٌ وحرّة، وصراع البطل الداخلي والخارجي هو ما يطبع الطفل أخلاقيا. وعلى عكس ما هي الحياة الواقعية، حيث يتجاور الخير والشرّ في كل منا، فإن وضوح معالم الشخصيات في الحكايات، حيث الخيّر خيّر والشرير شرّير، والتناقض جليّ بينها، يساعد الطفل على بناء مراجعه بسهولة، وعلى فهم الفروقات بينها، على عكس ما سيحصل إن لجأنا إلى تعقيد الشخصيات وتلوينها بمشاعر متناقضة، إذ من الضروري أن تُبنى شخصية الطفل على قاعدة عمليات تماهٍ إيجابية.
"كانت شابرون روج (ليلى والذئب) حبـّي الأول. وأشعر أني كنت سأعرف السعادة الكاملة لو أني تمكّنتُ من الاقتران بها". يستشهد بيتيلهايم بجملة الكاتب الإنكليزي الشهير تشارلز ديكينز، ليشير إلى أهمية تأثير الحكاية على سنواتنا الأولى، وخصوصا أنها "تساعد الطفل على بلوغ وعيٍ أكثر نضجا يُتيح له ترتيب الضغوط الفوضوية التي يمارسها عليه لاوعيُه". أجل، للحكايات تأثير علاجي على الطفل يستمر حتى بلوغه المراهقة، على عكس الفكرة الشائعة حديثا، والقائلة بتأثيراتها الصادمة والسلبية. فمن خلال الإصغاء للحكاية أولا، ومن ثم قراءتها لاحقا، يتعرّف الصغار إلى مواقف لاواعية يكتشفون من خلالها محنا وتجارب مقبلة: الملكة والملك هم الأهل الطيبون، الخالة والساحرة السيئة والغول هم الصور المتخيّلة للأهل العاطلين القساة. لكن، لحسن الحظ، سوف ينتهي كل شيءٍ نهاية سعيدة يطالب بها الصغار، لأنها تجسّد في نظرهم فكرة أن السعادة ممكنة.
هل تمثّل الحكايا تلك طقسَ الانتقال من عالم الطفولة إلى عالم الأهل؟ ربما. لكن المؤكّد أن الاهتمام الذي تلقاه لدى الصغار وتفاعلهم الكبير معها هما الدليل الدامغ على أنهم ينظرون إليها بكل جدية. "إنها ما يُعطي حياتهم معنى"، بحسب بيتيلهايم، لأنها تصوغ بأسلوبها ما يفوتهم من عالم الأهل والكبار، ويتسبّب في حيرتهم. لذا، فلا بدّ من طرح السؤال البديهي الذي يطرحه الكاتب: "لماذا يقوم أهلٌ أذكياء، حسنو النيات، حداثيون، ينتمون إلى فئات اجتماعية مرتاحة ماديا، وحريصون على حسن نموّ أطفالهم، باحتقار الحكايات الخرافية فيحرمونهم مما يمكن أن توفّره لهم"؟