نعم .. أزهار الربيع لم تتفتح بعد

28 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في الذكرى الثالثة لثورات الربيع العربي، كتبت مقالا بعنوان "أزهار الربيع لم تتفتح بعد". أجدني الآن لست بحاجة لسوى تغيير بعض التواريخ فيه، فيصبح مناسبا للنشر بعد مضي عشر سنوات على أولى ثورات ذلك الربيع المجهض، خصوصا بعد أن تخلّيت، مؤقتا، عن فكرةٍ ظلت تراودني فترة هي جمع ما كتبته على هامش ما حدث لنا، نحن العرب في الشرق والغرب، تحت ظلال ذلك الربيع الشامل، في كتاب عنوانه "الشعب يريد"، فقد أغلقت ملف الكتاب شبه المكتمل، ولا أريد فتحه مجدّدا، قبل أن أجد ما يحرّك مزاجي للكتابة الجديدة. وحتى يحين ذلك، إن كتب له أن يحين، سأجد في رماد الكلام القديم ما يصلح للتعبير عما حدث ويحدث أيضا. 
"هل تحول الربيع العربي إلى خريف عربي فعلاً؟ هل تحول موسم الثورات الذي كان ملهماً لكثير من الحركات والتحركات بمستويات مختلفة إلى مواتٍ حقيقيٍّ يضرب به المثل في الفشل الجماعي؟ هل اصطبغ الياسمين الأبيض الذي كان عنوان أولى ثورات ذلك الربيع بلون الدم؟ احتفلت الجماهير التونسية قبل أيام بالذكرى العاشرة لثورة الياسمين، وبعدها احتفلت الجماهير المصرية بالذكرى العاشرة، أيضاً، لثورة 25 يناير. ولكن الحماسة التي رافقت الثورتين تحديداً خفتت كثيراً، حتى أنها تحوّلت إلى ما يشبه الشعور باليأس أو الرفض، على اعتبار أن تطورات الثورتين، خصوصاً في مصر، لم تأتِ على ما اشتهى الحالمون في كل مكان.
ألم تكن الثورة حلماً وتحقق؟ نعم، ولكن الأحلام عندما تتحقّق تتخلّى عن ثوبها الرومانسي الجميل، وتظهر عاريةً بكل نتوءاتها التي كانت مختفيةً تحت الثياب الأنيقة، فيصبح لازماً على أصحابها التعامل مع الواقع بكل معطياته غير الأنيقة غالباً.
ليس ما حدث ويحدث في مصر منذ الثلاثين من يونيو 2013، تحديداً، حيث سالت الدماء البريئة كما لم تسل من قبل بهذا الشكل على أرض مصر، هو السبب الوحيد في الإحساس بالنقمة على الآخر التي تحوّلت إلى نكسةٍ نفسية أو ذاتية، فالنكسة التي مني بها هذا الربيع تعدّدت صورها وأشكالها بتعدّد صوره وأشكاله في كل مكان، بدءاً من تونس، وانتهاء بسورية. 
وبين المكانين والزمانين، جرت أحداثٌ كثيرة ودم أكثر، وتداول الجميع أفكارا وتبريرات كثيرة تصبّ في أنهار مختلفة من المصالح لهذا الطرف أو ذاك.
لم تعد أطراف الصراع، الذي كان مادة هذا الربيع وساحته، واضحةً ومحدّدة كما السابق، بالسلطة من جهة وبالشعب من أخرى، فالسلطة تشكّلت وتلوّنت وحاورت وناورت وانقسمت وتوحّدت، كطبيعة أي سلطةٍ في أي ظرف. أما الشعب، فقد انقسم على نفسه في كل مكانٍ حلّت به نسائم الربيع.
والنتيجة، أننا لم نر أزهاراً قد تفتحت ولا ثماراً قد تدلّت، ولكن المزيد من نباتات الصبار الذي وجد الثائر العربي نفسه مجبراً على ازدرادها، من دون هضمها، لعلها تورثه صبراً فوق صبره الموروث ومرارة، فوق ما اختزنه جسمه من مرارات تاريخية متناسلة من بعضها بعضا، بعد أن أدمت يديه الأشواك، ولم يعد يبالي بالدماء، وهي تسيل من بين أصابعه. هل علينا أن نستسلم لفكرة الخريف الآن، إذن؟ 
لا نظن أنها فكرة جيدة، ولا حتى منطقية حتى لو رآها بعضهم واقعاً معاشاً. فكل هذا الواقع المنتكس على أعقابه حدث في ثلاث (أو عشر) سنوات فقط، وهو زمنٌ لا يكاد يذكر في عمر الشعوب وتواريخ ثوراتها أبداً. 
نعم .. ما زلنا في البداية. وأزهار الربيع لم تتفتح بعد"!
انتهى المقال القديم.. الذي لم تتغير معانيه ولا كلماته حرفيا، وها أنذا أعيد نشره على أمل ألا أضطر إلى ذلك بعد سنة أو ثلاث سنوات أو ربما عشر سنوات جديدة أيضا.. من يدري؟