نظرية المؤامرة .. كنا في الطليعة وإذا بنا في المؤخِّرة

31 ديسمبر 2020
الصورة

(معمّر مكي)

+ الخط -

كنا أبطالاً في نظريات المؤامرة. عند كل حدث، خطير أو أقل خطورة، نخترع قراءة مؤامرتية. الإمبريالية، الصهيونية، الغرب، الرأسمالية، أوروبا، أميركا، "العرب"، بأشكالهم المختلفة .. واللائحة تتجدّد عند كل مطلع حدث، أو أواخره. بحيث إننا يمكن أن نعتدّ بتراث "مؤامرتي"، يملأ بأدبياته رفوف لغتنا العربية، ويسجّل حَوليّاتها، ووقائعها. وكان توأم نظرية المؤامرة، أي النظرية التي تدحض نظرية المؤامرة، على ازدهار كبير بدورها، وكانت تتقاسم معها اهتماماً زائداً. كانت مثل المرصد الذي يسهر على "نظافة" الفكرة وخلوها من نظرية المؤامرة. ومستعدّة في كل لحظة أن تدينها، وتحيلها إلى عالمٍ معرفي "متخلفٍ" و"جاهل". وهكذا أصبح من الصواب السياسي أن لا يكون المرء صاحب نظرية مؤامرة. وصرتَ تقرأ كتباً ومقالاتٍ وتعليقاتٍ لأناسٍ يؤكّدون لك أنهم لا يؤمنون على الإطلاق بنظرية المؤامرة، ولكنهم هذه المرّة يجزمون أن ثمّة مؤامرة في كذا وكيت من الوقائع (وكانت آخر هذه البطولات نذيراً لبداية انتكاس نظرياتنا المؤامرتية، ذاك "الاكتشاف" الطريف الذي نشرته صحيفة يسارية لبنانية عن مؤامرةٍ بريطانيةٍ ضد لبنان، والشرّ البريطاني، والعقل البريطاني... إلخ. وكأنها بذلك تحيي التفويت الذي عُرف به حزب التحرير الإسلامي، المتوقف عند الاستعمار البريطاني). 

أما الآن، فقد ضاعت البطولة العربية المؤامرتية في بحرٍ أوسع منها، وربما أعمق. الآن، في هذه اللحظة بالذات، وُجد سياقٌ يسمح لنظرية المؤامرة أن تنتعش عالمياً، وفي بلدانٍ أكثر تمكّنا منا بمصيرها، أقلّ بؤساً وشقاوة منا. أي في الغرب. لا يعني هذا أن رفوف مكتبات الغرب المتقدّم خلَتْ من "المؤامرة" في ما مضى. ولا يُلغي أنها، أي المؤامرة، كانت محرّكاً لأعمال عدائية تجاه هذه أو تلك من المجموعات المتهمة بحبك مؤامراتٍ في أزمنةٍ ليست بسحيقة. أشهرهم اليهود. 

ولكن الآن .. الآن، الوضع يتفوّق على ذاك الذي أفرز بطولاتنا وإنجازاتنا في نظرية المؤامرة. الآن، على رأس قيادة العالم رئيس أميركي يؤمن بنظرية المؤامرة، متعدّدة المصادر... من الصين في الخارج، إلى عملائها "الاشتراكيين" في الداخل. الآن، مواقع، ومجلات، وشرائط اليوتيوب وحركات منظّمة، وأحيانا مسلّحة، تعدّ بعشرات الملايين، غربية تحديداً، أميركية أولاً، ثم أوروبية شيئاً فشيئاً .. كلها لا تصدّق أن ثمّة وباء منتشرا في الكوكب الأرضي. وإذا كان وباء فهو آتٍ من الصين. وإن الصين اخترعته وأخرجته من مختبراتها. وإن الهدف منه هو فرض النظام الشيوعي في دول الغرب. 

وفي شريط سينمائي فرنسي خرج إلى الشبكة منذ شهر، انكبّت عليه المشاهداتُ بالملايين (عنوانه "عملية سطو")، تحلّق المؤامرة فيه عالياً، فتتكرّر مؤامرة المختبرات، يُدان ارتداء الكمّامة، يكذَّب كل المسؤولين السياسيين والصحيين والعلماء البارزين، وتوصف عدم كفاءتهم، تلاعبهم بالرأي العام، بالاشتراك مع المختبرات.. والغرض كله من هذه "المؤامرة" هو "إلغاء قسم من البشرية" والعودة إلى "حرب الجميع على الجميع".

المؤامرتية نقلت عديدين من أصحاب العقل الراجح إلى ضفتها. منهم كتّاب وفنانون وسياسيون، بل مثقفون كبار أيضاً

هذه السردية المؤامراتية الغربية لا تُقاس بالعربية. انها تتفوّق عليها، من حيث سعتها وجاذبيتها الفنية، وتماسك حبكتها، وتغطيتها للجنس البشري كله. تحرّكها جهات نخمّن قوتها الهائلة. لا تُقارن بصعاليكنا المؤامراتيين. 

تلخيص فحوى هذه النظريات، وما يجمعها: أولها نكْران الحقائق. نكْران أن ثمّة وباء، وأن ثمّة علاجا محتملا له، وأن ثمّة موتى من مجرّد الاختلاط... إلخ. ثم الإيمان بوجود كيان "غريب" يحرِّك هذه المؤامرة. والصين تحتل هنا مكان الإمبريالية والصهيونية التي أحببناها. وتتابع النظرية أن هذه "الكيانات" تبثّ الأكاذيب الصارخة، الهادفة إلى هلاك الأمم، ولكنها تعمل بالخفاء... 

القوة الإضافية التي غذّت نظرية المؤامرة، هي الوباء نفسه. فهو قسَّم الجماعة العلمية إلى فرق، متساجلة متحاربة أحياناً. حول أصل الوباء، وتكوينه، حول الطريقة الأمثل للتصدّي له. ولم يعفِ السياسيين، الذين ارتبكوا وتناقضوا، وتراجعوا، ثم وثبوا من جديد، من دون أن يكون لتحرّكاتهم الفاعلية المأمولة، إلا بالنذر اليسير. والأهم من ذلك كله، أمام الصين الصامتة على إجراءاتها، يبدو العلم الغربي، النظام الصحي الغربي، أكاد أقول الابستمولوجيا العلمية الغربية... كلهم على بلاء، يتفوّق فيه الشكّ على الاطمئنان. 

يمكن أن نتفلْسف ونقول إن أصحاب نظرية المؤامرة هم أشخاص يعانون من عقدة الاضطهاد، ويحلّلون الجزئيات من دون الكليات

طبعاً يمكن أن نتفلْسف ونقول إن أصحاب نظرية المؤامرة هم أشخاص يعانون من عقدة الاضطهاد، وإنهم يحلّلون الجزئيات من دون الكليات، وإنهم لا يؤمنون بالمصادفة التاريخية، أو المفاجأة التاريخية، وإنّهم يتسرّعون باستنتاج أي شيء من أي خبر يسمعون، وضيقو الأفق، ويعتمدون على حدْسهم بدل تحليلهم في اعتمادهم النظرية المؤامراتية. باستثناء السمة الأخيرة، أي الحدْس بدل التحليل، فإن كل ما سبقها لم ينطبق على المدروسين من أصحاب نظرية المؤامرة. أي أنهم يمكن أن يكونوا أسوياء، واسعي الأفق، قادرين على سعة الرؤية .. إلخ.

والحقيقة أن المؤامرتية نقلت عديدين من أصحاب العقل الراجح إلى ضفتها. منهم كتّاب وفنانون وسياسيون، بل مثقفون كبار أيضاً. خذْ مثلاً الفيلسوف الفرنسي، اليساري ريجيس دوبريه، في غمرة "المؤامرة العلمية العلمية الأميركية على فرنسا"، اشترك فيها ماكرون نفسه، رئيس الجمهورية. وفي عزّ مناخات المؤامرة الفيروسية العالمية، يكتب ريجيس دوبريه: "في سبعينات القرن الماضي، كانت أميركا تفتح أبواب جامعاتها التقدّمية لمفكري "النظرية الفرنسية"، مثل جاك ديريدا، وميشال فوكو، وجيل دولوز. بعد ذلك بخمسين سنة، صارت أميركا تصدِّر، ومن دون حمايةٍ جمركية، محاكم التفتيش الفكري، التي تراقب من طبَّق، ومن لم يطبِّق نظرية "العنصرية المؤسساتية" أو نظرية "امتيازات البيض" على "أرضنا ذات الرؤية الكونية". ومَفاد هذه "اليقظة" العلمية المباغتَة، وسط ضباب الوباء، هو تمسّك الفرنسيين بريادتهم الفكرية والنظرية، واعتبار تراجعهم على هذه الساحة من أعمال الشيطان الأكبر: أميركا .. ومن أين تصدُر هذه المعاني؟ من أمةٍ بنَت ركائزها على مقولة فيلسوفها الوطني رينيه ديكارت: "أنا أفكَر، إذن أنا موجود"، فلا عتّب كبير علينا بعد ذلك.

سوف نصل إلى يومٍ نترحّم فيه على نظرية المؤامرة العربية، بسذاجتها وضعف حبكتها وبراءة شرّيريها واهتراء الهندام الذي ألبستهم إياه

من الواضح أن نظرية المؤامرة هي يقين، مدفوعة بالحاجة الملحّة إليه. يقين يردّ على يقين مزَعْزع، أو على شكّ قاس، أو حيرة لا تُطاق. والوضعيات هذه ليست من مزاج البشر كلهم، أو غالبيتهم. وهم الأقرب حاجةً إلى يقين. والذي تخترعه نظرية المؤامرة من يقينٍ جديد يضع الحقيقة أمام اختبار. ما هي الحقيقة إذن؟ للذين استصعبوا اليقين الجديد، ولم يكابروا في التأكيد على صحة اليقين القديم. خصوصاً بعدما هزّ الوباء ركائزه، كما لمحنا. اليقين المضاد لليقين المؤامرتي يحتاج إلى جهد تنْقيبي دؤوب، إلى تحمّل الحيرة، وعدم اليقين. ولكن ليس إلى درجة مؤاخاتهما، حتى لا يصبح الشكّ يقيناً من نوع آخر ... وحتى لا يتحوّل التنقيب عن تلفيقات نظرية المؤامرة إلى هوَس مؤامراتي مضادّ، يريد أن يكشف عن تآمر أصحاب نظرية المؤامرة. خصوصاً أن كوكبنا مقْبلٌ على مزيد من الغموض، وربما الأوبئة والأزمات المناخية والغذائية القاتلة. بعد اللقاح، سوف تستنفر نظريات المؤامرة كل طاقاتها للقول إن هذا اللقاح هو استمرار للمؤامرة. وإنه يحتوي على كذا وكيت من موادّ تجعلنا عاجزين، أو معتلّين، أو مراقَبين، أو معدَّلين جينياً .. إلخ. وسوف نصل إلى يومٍ نترحّم فيه على نظرية المؤامرة العربية، بسذاجتها وضعف حبكتها وبراءة شرّيريها واهتراء الهندام الذي ألبستهم إياه.