نساء في غرفة فرجينيا وولف

نساء في غرفة فرجينيا وولف

22 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

من الشخصيات الأدبية العالمية التي تركت تأثيراً كبيراً في الأدب، وتسلّل أثرها إلى الكتابات العربية، الإنجليزية فرجينيا وولف. وكثيراً ما نكتشف كتاباً أو مجموعة قصصية أو ترجمة انطلق من هذه الكاتبة، كما حدث مع المغربية لطيفة باقا، حين ألفت مجموعة قصصية تحت عنوان "غرفة فرجينيا وولف"، والمصرية فاطمة ناعوت التي أعجبت بتجربتها، وألقت محاضرات عنها، وترجمت نصوصاً لها تحت عنواني "جيوب مثقلة بالحجارة" و"أثر الحائط".
أخيراً، أصدرت الباحثة الكويتية، سعاد العنزي، كتاباً بعنوان "نساء في غرفة فرجينيا وولف" (دار نينوى، دمشق، 2021)، تقارن فيه بين حياتي فرجينيا وولف والكاتبة المصرية من أصول فلسطينية مي زيادة، جاء في 272 صفحة، وقد مُهِّد لموضوعه بمقدّمة وافية حملت عنوان "سليلات شهرزاد يلتقين أمام بئر الحداثة"، ثم انضوت مجموعة من العناوين والفصول تحت ثلاثة أبواب: "تجمعنا الحكاية وتفرّقنا الجغرافيا" و"فرجينيا وولف ومي زيادة وقطف ثمار المعرفة" و"منارات في القصيدة.. معدمات في الحياة". وسعت العناوين الفرعية إلى الإصغاء إلى أهمّ سمات حياة الشخصيتين ومن مختلف الزوايا، عبر فصول متوالية زمنياً وموضوعياً، منها "حياة فرجينيا وولف ومي زيادة وقطف ثمار المعرفة"، "جرح في العقل"، "فراشتا التنوير في زمن الحداثة المعطوبة"، "مي زيادة فكر متجدد يعانق أفق الكونية". وجاءت الخاتمة بعنوان "درويشي" معبّر "لا أريد لهذه الحكاية أن تنتهي".
أهمية الكتاب في أنه يبحث في أسس الحركة النسوية وجذورها، في شقّيها الاجتماعي والأدبي، عبر تفكيك لحياتَي العلمين الأبرز في هذا السياق، غربياً وعريباً، فرجينيا وولف ومي زيادة. وتعلن الدراسة منهجَها المقارن المتتبع خيوط التجربتين على المستويين، الوجودي والفكري، ووضع نقاط ضوء على أهم محطات الصراع والتحدّي التي اعترت حياة كل منهما، إذ تلتقي مي زيادة بفرجينيا وولف في أكثر من جانب؛ لعل الأهم ما يخص معاناتهما الإنسانية ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة، التي لم تجمع في سياق نقدي واحد إلا في هذا الكتاب، وهو ما حاولت الباحثة أن تفعله، حين تناوبت في الانتقال الحر (ولكن الممنهج) بين حياتي الكاتبتين، وهو ما يقرّب للقارئ وجهة النظر المتعلقة بوجود تواشج مصيري وفكري وهاجس مشترك بينهما، سواء في التفاصيل أو في المآل، حيث انتهت حياة وولف منتحرة، ومي زيادة في "العصفورية" في لبنان.
واستطعنا، من خلال هذه المقاربة المنهجية، أن نعرف الكثير عن "بداية النهاية" لما عرف بعصر النهضة العربية، من خلال حياة مي زيادة وصالونها الذي استمر أكثر من عشرين عاماً، وكان يزخر برموز الأدب العربي، كالعقاد وطه حسين وغيرهما. ويتميز الكتاب أيضاً بوفرة المراجع والمصادر الأجنبية والعربية التي سعت الكاتبة لقراءتها، لمعرفة تفاصيل حياتي الكاتبتين، وخلف منهج "مقارباتي" لكتابها أقنعت به القارئ عن جدارة. ففيما يتعلق بفرجينيا وولف، نكتشف أن دراسات كثيرة بالإنجليزية تناولت كتبها وحياتها المأساوية، كما نكتشف، وهنا مكمن الغرابة، أنه فيما كان يُسمح لمي زيادة بالتعلم والتنقل ودراسة لغاتٍ حية كثيرة (بلغ عددها تسعاً)، كان والد فرجينيا وولف يمنعها من دخول الجامعة، وسمح لأبنائه الذكور فقط بدخولها.
توصلت سعاد العنزي إلى التقاء وتقاطع فكري وقدَري بين مي زيادة وفرجينيا وولف في أكثر من جانب، إذ ستنكشف لقارئ الكتاب لقاءاتٌ قدرية ومشترَكات مصيرية، على الرغم من أن الشخصيتين لم تلتقيا واقعياً، فإن مجموعة وشائج فكرية وسياقية، وحتى مصيرية، شكلت محطات التقاء تصادفية في حياتيهما، عرضها الكتاب وتتبعها بكيفية شائقة، تنفتح على السرود والمواقف والأسئلة، وتثير المفارقات في حياة كل من الشخصيتين، فقد وُلدت وولف وزيادة في العقد نفسه 1880، الأولى في العام الثاني منه والثانية في العام السادس، وتوفيتا في العام نفسه، 1941، "ما يعني أنهما عاشتا في الفترة الزمنية نفسها، بكل ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل حروبها العالمية والتغيرات السياسية والاقتصادية المهمة".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي