نزار بنات غنيمة السلام

نزار بنات غنيمة السلام

04 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

صحيحٌ أن السيف سبق العذل. لكن لو كان نزار بنات تلقّى دورة تدريبية على الألغام وطرق التعامل معها لعرف جيدًا أوجه الشبه بينها وبين الأنظمة العربية عند ارتكاب الأخطاء، ولأدرك أن الخطأ الأول هو الأخير حتمًا؛ ولا مكان لفرصةٍ أخرى.

على الأرجح، بحكم تجاربه في المعارضة، كان نزار يدرك ذلك، وهو ما يدعو إلى التساؤل: إذن، كيف غامر بحياته، وهو يعلم النتائج جيدًا؟ ثمّة من يقول إن نزار لم يكن يأخذ السلطة الفلسطينية على محمل الجدّ، بل كان يعتبرها "نصف نظام" عربي، فهي سلطةٌ غير مكتملة الأركان، لم تتحقق لها شروط الدولة بعد. صحيحٌ أن لها علمًا حملته معها من ثكنات "الفدائيين" في لبنان وتونس واليمن، غير أنها لم تجد أرضًا كافية لتغرسه فيها؛ لأن إسرائيل لم تتفضّل عليها بغير فتاتٍ لا يكفي إلا لمقبرةٍ واحدةٍ يتعيّن أن تتسع للجميع، شعبًا وسلطة. غير أن نزار مخطئ إن ظن ذلك، لأن النصف أو الربع أو حتى الفرد الواحد في السلطة العربية يحمل، في تكوينه، السلطة كاملةً لدى تعامله مع المواطن، فمن حق شرطيّ السير أن يطلق الرصاص على سائقٍ مخالف، ومن حقّ رجل الدفاع المدني أن يسعف الضحية إلى القبر بدل المستشفى، بالقدر الذي يحقّ فيه لرجل المخابرات أن ينتزع روح المعتقل، ما دام أصبح في قبضته، اعترف أم لم يعترف، لأنه بمثابة "غنيمة" حرب. وفي حالة نزار، هو "غنيمة" سلام، لأن من يرفض سلام السلطة الفلسطينية مع إسرائيل هو عدوّ حتمًا، ودمه مباحٌ للخنجر والسيف، وجسُده متاحٌ للهراوة والرصاصة.

كم "غنيمة سلام" تبقت للسلطة الفلسطينية، أو سلطة عبّاس كما يحلو لبعضهم أن يسمّيها (وأنا منهم)؟ ربما الكثير، غير أني أشعر ببعض التعاطف مع هذه السلطة، في ارتباكها عندما عجزت عن إيجاد مسوّغ يبرّر جريمتها بحق نزار بنات، فجاء بيانها الرسمي أشبه بأوراق التواليت المستعملة. فللمرة الأولى، لم تجرؤ على التصريح علنًا أن اغتيال نزار حدث على خلفية "التعامل مع العدوّ" مثلًا، كما كانت تنظيمات فلسطينية تعلن سابقًا عندما تريد التخلص من أحد معارضيها؛ فهي عبارة قاطعة مانعة تبرّئ القاتل، وتجعل فعله محمودًا. لم تستطع ذلك، لأن "العدوّ" أصبح صديقًا في أدبياتها الجديدة، ولا يستقيم بالتالي إطلاق هذه الصفة عليه. أما في البيان غير المصرّح به أو المعلن، فالضحية اغتيلت واقع الأمر لأنها ناصبت الصديق العداء، بمعنى أنها استعدت إسرائيل هذه المرة.

أيضًا، كانت تنظيمات فلسطينية سابقًا تلجأ إلى نشر صور ضحاياها بوصفهم "شهداء"، في محاولةٍ منها للتورية على الجريمة، ومنح الضحية تبجيلًا لا يجرؤ أحدٌ على التشكيك فيه. ولكن سلطة عبّاس، في حالة نزار، لم تستطع أن تمارس التورية ذاتها، لأن فكرة "الشهادة" نفسها أصبحت مرفوضةً، جملة وتفصيلًا، ما دام المقصود فيها فعل مقاومةٍ ضد شريك "السلام" والمستقبل و"المصير الواحد". وعلى الجانب الشعبي الذي لا يحبّذ عبّاس وأقرانه الوقوف عليه، يعدّ نزار شهيدًا، لأن مقاومته الحقيقية كانت ضدّ المحتلّ الغاصب، غير أنه عندما وجد ذلك الجدار الهشّ الممثل بالسلطة يحول بينه وبين مقاومته آثر أن يحاول تمزيقه، ليكتشف متأخرًا أنه أشدّ مناعة من جدار شارون نفسه، وربما أزيد شراسة أيضًا.

لم تُضف واقعة تصفية نزار كثيرًا إلى سجل السلطة الفلسطينية الأسود في تعاملها مع الإنسان وحقوقه، فقد خبر الشعب الفلسطيني هذه السلطة جيدًا لحظة قدومها الثقيل، بغربائها الذين لا يعرفون دقائق النسيج الشعبي لفلسطينيي الداخل، وربما كان ذلك مقصودًا تمامًا، كي لا يشعر الشرطي والمحقّق وأدوات السلطة برمتها بأي تعاطفٍ مع الضحايا، وهم يقتحمون بيوتهم ويقتادونهم إلى المعتقلات، أو حتى عندما يُسقطونهم موتى بالهراوات والضرب المبرّح. غير أن واقعة نزار حسمت تساؤلات الفلسطيني، عندما يطرق عسس الليل باب بيته. فقد كان يتساءل في البداية: "صديق أم عدو؟"، أما اليوم فلم يعد غير تساؤل واحد على لسانه: "عدوّ أم عدوّ؟".