نداء للشياطين

22 نوفمبر 2020
الصورة

باولا وايت تستمع إلى ترامب في حديقة البيت الأبيض (2/5/2019/Getty)

+ الخط -

أرجّح أن ثمّة صدمة أخرى يعاني منها دونالد ترامب، لا تقل فداحةً عن صدمته بخسارة الانتخابات، وتتعلّق هذه المرة بخسارته "ملائكته" التي أخفقت مستشارته الروحية، باولا وايت، في جلبها، ولو مخفورة، من مجاهل أفريقيا وأميركا اللاتينية لتحقق له الفوز في صناديق الاقتراع، وتصدّ عنه "شياطين الشر" التي انتصرت على قوى الخير الممثّلة بترامب ورهطه.
يتعيّن أن أعترف، أولًا، بأنني فوجئت بوظيفة "المستشار الروحي"، المدرجة في جدول وظائف دونالد ترامب، والتي تذكّر بالكهانة والعرافة في مفهومنا، على الرغم من إدراكي أن مثل هذه الاستشارات مسبوقة لدى زعماء وقادة آخرين، ممّن كانوا يلجأون إلى استشارة العرّافات والراجمين بالغيب، عندما يحزبهم أمر في شؤون حكمهم وحروبهم، ومنهم قادة من عصرنا الحديث، المولع بـ"العلم" و"الإحصاء" و"استطلاعات الرأي"، والأبعد ما يكون عن الإيمان بالخرافات والأساطير، وهو ما ينسف صورتنا النمطية عن العقل الغربي، عمومًا، والذي يزعم التجرّد والتحلل من الغيبيات، والانحياز للحقائق المنظورة والأرقام فقط، بدليل أن رئيس أكبر دولة علمانية وأقواها في العالم، يؤمن بهذه الخرافات، بل ويستحدث منصبًا خاصًّا لها. 
ربّ زاعمٍ بأن مثل هذه المناصب صوريّة، ولا امتداد لها في القرار السياسي الأميركي، أو في قوانين البلد وتشريعاته، وبأن الفصل يظل قائمًا بين الدين والسياسة، غير أن ثمّة وقائع تنفي هذا الزعم، خصوصًا إذا تذكّرنا أن معظم رؤساء أميركا الجدد ينتمون إلى الكنيسة الإنجيلية، وتحرّكهم دوافع غيبية ودينية (فوق عقلية)؛ لتحقيق غايات هذه الكنيسة، وفي مقدمتها، بالطبع، تمكين إسرائيل وإعادة كل يهود العالم إليها، ورفض التنازل عن أي شبرٍ منها لغير اليهود، باعتبار ذلك شرطًا لعودة المسيح، فهل يصدُر مثل هذا الاعتقاد إلا عن عقلٍ مفرطٍ في غيبيّته وخرافاته؟
عمومًا، تظل صدمتنا وصدمة ترامب قائمة حيال مستشارته الروحية. ومن حقنا أن نتساءل: لماذا خذلته "ملائكته"، ولم تهبّ لنجدته في أحرج مواقفه المصيرية وأدقّها، على الرغم من أن باولا وايت أفرطت في استدعائها جميعًا، وبالاسم، وأفردت لها صلاة خاصة على شاشات الفضائيات، وكانت تناديها بحماسة مهولة، لكنها لم تستجب؟ الواقع، ثمّة تسريباتٌ إخبارية ماكرة، حاولت أن توضح سبب الخذلان، فمنها من صبّ اللوم على المستشارة وايت نفسها، لأنها أخطأت بتوجيه الدعوة إلى ملائكة أفريقيا وأميركا الجنوبية، تحديدًا؛ وقيل في ذلك: "كيف تطلب المستشارة العون من ملائكة بلادٍ تحتاج إلى العون أساسًا، أليس أدعى بهؤلاء الملائكة "الطيبين"، أن يسدّوا رمق جياع أفريقيا وجمهوريات الموز التي لم تعد ترى من الموز إلا قشوره، بدل أن تهدر مساعيها على ترف انتخابات المتخمين في الولايات المتحدة؟ بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، حين قال إن الملائكة أبدت غضبًا شديدًا من هذه الصلافة الأميركية التي كانت سببًا رئيسيًّا في مجاعات أفريقيا، بعد أن أسهمت، إلى جانب أخواتها في أوروبا، في نهب مواردها، وإبقائها رهنًا للتبعية والحروب والتجهيل، منذ الاستعمار إلى الاستغلال، وهو عين ما يحدث أيضًا في دول أميركا اللاتينية التي لم تسلم أي واحدةٍ منها من شرور أميركا وتدخلاتها السافرة، عسكريًّا واقتصاديًّا، في شؤونها، من تشيلي التي عبثت بحرّيتها وخيارات شعبها، ونصّبت عليها واحدًا من أشرس طغاة العالم الثالث، بينوشيه، مرورًا ببنما التي غزتها غزوًا مباشرًا وأطاحت نظامها، إلى غواتيمالا التي حاربت ديمقراطيتها الوليدة، وأبرمت صفقة أسلحة "إيران غيت" الطافحة برائحة الماريغوانا؛ لمساعدة عصابات الكونترا، عدا المكسيك وغيرها الكثير.
لذلك كله، تجاهلت الملائكة توسّلات وايت، وآثرت أن تستأنف مساعيها في رتق الجراح التي أحدثتها أميركا في جلود الأفارقة واللاتينيين، وفق الأنباء غير الرسمية طبعاً. غير أن أغرب المعلومات المسرّبة تقول إن ثمّة خطأ استراتيجيًّا اقترفته وايت من الأساس، عندما وجّهت الدعوة إلى "الملائكة"، في حين كان ينبغي أن توجّهها إلى "الشياطين".