نخاف من تونس ونخاف عليها

نخاف من تونس ونخاف عليها

27 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

يكتسب الحدث التونسي، منذ بشّر بلد الياسمين بالسنونو الأول لربيع عربي طال انتظاره، أهمية أكبر من أي حدثٍ داخليٍّ مماثل في أي من بلدان العالم العربي، المستغرق في لجّة بحر من التطورات العاصفة، المقدّر لها أن تظل هكذا بين مد وجزر لعقد آخر على الأقل، فعلى هذا البلد الصغير بحجمه، والكبير بدوره الفريد في محيطه، انعقدت أعرض الآمال، وانفتحت أوسع النوافذ أمام شعوب هذه المنطقة المسكونة بالقهر والفقر والاستبداد، للتساوق مع روح العصر ومُثله، والالتحاق بركب الحرية والتعدّدية والديمقراطية. لذلك، ينتزع الحدث التونسي، المفتوح على تطوراتٍ من المبكر التنبؤ بها الآن، جل الاهتمامات العربية على الفور، ويضعه في المقدّمة الأولى على أجندة العواصم المعنية، فيما ننشغل، نحن المشفقين على أنجح محطات قطار الربيع العربي، بما يبدو أنه ردّة إلى الخلف، أو قل استدارة مبنية على المجهول. نتابع بقلق، ونضع أيدينا على قلوبنا خشيةً، ليس على هذه التجربة الواعدة فقط، وإنما تحسّباً من ارتداداتها السلبية، وانعكاساتها الأشمل نطاقاً من الجغرافية التونسية. إذ على الرغم من المخاض الداخلي الذي عاشته تونس على مدى ثمانية أشهر ماضية، وكان ينذر بما لا تحمد عواقبه، ويشي حقاً بأن الوضع ليس على ما يرام، إلا أن التطور الدراماتيكي، الليلة قبل الماضية، بما في ذلك تعطيل الحياة البرلمانية، أتى جارفاً قواعد اللعبة السياسية القائمة أساساً على الفصل بين السلطات، ومهدّداً بحدوث ارتكاسة لا شفاء منها، وذلك إن لم نقل وقوع انقلاب عسكري صامت، يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، ويبرّر لقوى الشد العكسي، داخل تونس وخارجها، الزعم أن العرب، في المشرق والمغرب، لم ينضجوا بعد للانخراط في فضاء التجربة الديمقراطية.
مصدر كل هذه الخشية، وكل هذا التحسّب إزاء الحدث التونسي، المتفاعل ساعة بعد أخرى، أن التجربة لا تزال طرية العود، لها ما لها وهو كثير، وعليها ما عليها وهو أكثر، الأمر الذي يسوّغ لنا تغليب حالة التشاؤم، واستحضار كل الذكريات السيئة التي حفرت أحافيرها العميقة في الوجدان العربي العام، جرّاء ما أصاب مسارات الربيع، في غير مطرح واحد، من انتكاساتٍ مروّعة، بعضها مضرّج بالدماء وحافل بالدمار، فيما كانت تونس، وحدها، بمثابة الاستثناء على قاعدة الانقلاب المضاد.
قد لا يدرك التونسيون المنهمكون هذه الساعة في إعادة القطار إلى السكّة، وضبط البوصلة من جديد، أن أبصار ملايين في العالم العربي شاخصة، في هذه الأثناء، إلى الشاشات، تترقب وتحبس الأنفاس، وتتمسّك بالرجاء، في أن تمر العاصفة الهوجاء بأقل الأضرار، وأن المشفقين على التجربة، التي لا تخصّ أصحابها فقط، فيهم ما يكفيهم وأزيد من أوجاع، كؤوسهم مترعة مما يجري، ونفوسهم مثقلة بالعذاب، الأمر الذي لم يعد فيه متسع لنقطة ماء مالحة، ولا لضربة جديدة على مؤخّرة الرأس.
نعلم أن قوى الثورة المضادة لم تدع التونسيين في حالهم، وقد كانوا أول من كسر النمط السائد في هذه البلاد. وندرك أن ثورة التونسيين البيضاء كانت منذ اليوم الأول محط تآمر وموضع عملية ضغط واحتواء، لكننا نعلم، في الوقت ذاته، أن التشقّقات في الجدار التونسي كانت كثيرة وواسعة، وأن المناكفات والحسابات الصغيرة، ناهيك عن المنافسات المشروعة، كانت هي علة العلل وبيت الداء، الأمر الذي أبقى التجربة تسير على حافّة الهاوية، عرضة للسقوط في قاع الجرف، بدفعةٍ من كتفٍ متربصٍ على رؤوس الأشهاد.
إن لم تخرج الأمور عن السيطرة، وتقع الفأس في الرأس، أي لم تنجح الثورة المضادّة في آخر لحظة، فإن ما وقع مما يشبه انقلاباً غير مكتمل، قد يوجِد فرصةً، ليس لمعالجة الأزمة الطارئة فحسب، وإنما لتطبيب الجراح الغائرة في العمق، ومداواة بواطن الضعف التي لا تخفي على عينٍ مبصرة، بما في ذلك تجويد النظام الانتخابي، وإقامة المحكمة الدستورية العليا، وتعزيز الفصل بين السلطات، وهي مسائلُ يهجس بها كل التونسيين على اختلاف مشاربهم، ولا حاجة لأحدٍ من الخارج كي يشير إليهم ناصحا، أو متذاكيا عليهم، وهم أهل خبرة وأصحاب اختصاص، نتعلم منهم، إذ يكفيهم فخراً أنهم أول من أطلق شرارة الربيع العربي، وأوقدوا أول شعلة متوهجة في عتمة هذا الليل المديد.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي