نحن "وفيسبوك"
لا يمكن إنكار تأثير تطبيق فيسبوك في حياتنا، وقد بلغ عدد مستخدميه في العالم ثلاثة مليارات نسمة حتى تاريخه، فصار بالإمكان سؤال من لا يستخدم التطبيق: "وين مختفي؟". ولن يبدو السؤال مستهجناً أو خارجاً عن المألوف، بل مطلوب منك في هذه الحالة أن تشرح أسباب الغياب وتبرّرها. كذلك لا يمكن تجاهل فضائله الكثيرة لإسهامه (إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى) في سرعة وصول المعلومة وتمكين الأفراد من التعبير عن فِكَرهم ومواقفهم في بعض الأحيان، ولا سيّما إذا لم تتناقض ورؤية القائمين على تلك الوسائل، ما يبيّن أنها ليست منابرَ حرّةً بالمطلق.
ومهما بلغت درجة نفورك من سطوته، ستجد نفسك في مرحلة ما متخلّياً عن تعنّتك، ومنساقاً رغماً عنك إلى ذلك الفضاء الأزرق الذي يمنحك وهم التواصل فيما يكرّس عزلتك، وينمّي (حسب علماء نفس) روحك العدوانية، ومشاعرك السلبية من غيرة وحسد، وينزع عنك الرضا والقناعة، لأنه يضعك في مقارنة دائمة بآخرين قد يفوقونك ثراءً وجمالاً وإنجازاً، ما يجعلك في حالة إحباط قد لا تُدرك أسبابها، لأنها تقيم في لاوعيك وتحيلك شخصاً مكتئباً مُستفزِّاً طوال الوقت. ستبتعد تدريجياً عن أحبّتك، وتحجم عن التعبير عن مشاعرك مكتفياً برسومات "إيموجي"؛ وجه ضاحك أو عابس، باقة ورد، قلب أحمر... وكفى الله المؤمنين شرّ الكلام. تتراجع قدراتك اللفظية، وتفقد مهاراتك الاجتماعية والحماسة للخروج من البيت، فيثقل جسدك، وتضعف عضلاتك وتتضاعف شهيّتك ويزيد وزنك، غير أنك لن تتنبه إلى حالة الاستلاب التكنولوجي الذي وصلنا إليه. ولعلّ الوقت قد حان كي نعترف ونشخّصها حالة إدمان جمعية عصية على العلاج، رغم التحذيرات الطبية من الإفراط في استخدام وسائل التواصل الذي يؤدّي إلى تعفّن الدماغ والإصابة بديسك الرقبة، غير أن أحداً منا لا يمتثل للنصيحة.
وبعد مضي ما يقارب 15 عاماً على انتشار "فيسبوك"، ظهرت تطبيقاتٌ أخرى مشابهة، مثل "إنستغرام"، حيث تنشر الصور ومقاطع الفيديو بصورة أسرع وأفضل تقنياً. لذلك لاقى إقبالاً بين فئة الشباب ممّن هجروا الموقع الأزرق الذي أصبح أكثر ملاءمةً لكبار السنّ، لأنه يحتوي على مواضيع سياسية ودينية واجتماعية قد تبدو ثقيلةً بالنسبة إلى الشباب سريع الملل، غير المهتمّ بمواضيع الكبار، والراغب في التحرّر من تأثيرهم في بيئة شبابية أكثر حيويةً وإثارةً. وهذا بات ملحوظاً. إذ خلت ساحة "فيسبوك" تقريباً من فئة الشباب، في هجرة معظمهم الجماعية إلى "إنستغرام"، وهذا طبيعي، نرصُده في المناسبات الاجتماعية. إذ سرعان ما ينسحب صغار السنّ بما يمكن أن نسمّيه ألفة النوع إلى جلسات منفصلة، يتحدّثون فيما بينهم بحرية من دون تحفّظات ومحاذير. والحقّ أن معظم مستخدمي "فيسبوك" من الرعيل الأول مرّوا في بداية استخدامه بمرحلة مراهقة فيسبوكية (بعضهم ما زال مقيماً فيها)، فأخذوا يبثّون منشوراتهم على مدار اليوم باندفاع وتسرّع من دون تدقيق أو إدراك لفكرة الخصوصية. منهم مَن شاركنا غرفة جلوسه ومكوّنات مطبخه و"نهفات" أحفاده، ومنهم من اعتبر ذلك الفضاء فسحةً لتصفية حساباته، ومنهم من اكتشف خفّةَ ظلِّه التي لا تحتمل، فأغرقنا بالطرائف والنكات السمجة. ومنهم من عيّن نفسه خبيراً عليماً في كل شيء، لديه وهم بأن رأيه مهمٌّ، لذلك يحرص على الإدلاء بدلوه في كل صغيرة وكبيرة. كذلك فإن بعض الرجال من المتصابين وجدوا فيه فرصةً لإنعاش شيخوختهم من خلال التحرّش ومضايقة السيدات من دون خجل، وبلا مراعاة لحدود الأدب واللباقة، فلاقوا ما يستحقّونه من قلّة القيمة.
هؤلاء وأمثالهم من نماذج مؤسفة تستهين بمسؤولية الكلمة التي تشبه الطلقة، لا يمكن استردادها أو الحيلولة دون آثارها المدمّرة، يدفعوننا إلى القول غير نادمين: الحمد لله على نعمة الـ"بلوك"!