نحن وإيران

08 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ما أن تُسمع رصاصة في إيران، أو شعارٌ يهتف به أحد المحتجّين على النظام هناك، إلا وتجد صداه يتردّد لدى العرب، فينقسمون إلى مؤيد ومعارض. وذاك من جيد الأمور، غير أن اللاجيد في هذا الانقسام أنه يأخذ شكل التخوين والتخويف، وفي أحيان أخرى، شكل التكفير.
نعم.. إيران جار العرب الطبيعي، جوار ما له من بد. وبغض النظر عن كل تقلبات الحكم والسياسة فيها، كانت إيران جزءًا من حضارة المسلمين التي ازدهرت يوم أن كانت بلاد فارس جزءا من منظومة ثقافية إسلامية، نجح الدين في صهر مكوناتها في بوتقته، فأنتجت لنا تلك الحضارة التي لا يبدو أن لنا من منجزٍ نفاخر به غيرها. ولكن إيران اليوم تلعب لعبة قذرة، في محاولتها التموضع قومياً والتوسع، مستخدمةً أدواتٍ شتى؛ أكثرها سوءًا الأداة الدينية التي أشعلت من خلالها فتيل أزماتٍ ما كان الشرق الأوسط في حاجة لها، وطبعاَ لا إيران وحدها.
هل نحتاج، مع كل حدث في إيران، أن نتحدث معها أو ضدها، من دون أن نقف قليلاً مع ذواتنا المأزومة لنعرف بأنفسنا، من نحن؟ كثيراً ما يكون الحديث عن إيران حديث عاطفة أجوف، خاليا من أي معايير حقيقية للمواقف، سواء بالكره أو بالمحبة، وهو أمرٌ شائع لدى العامة. ولكن أن ينتقل الحديث، بهذه المتلازمات، إلى من يفترض أنهم نخبة، فذاك لعمري ما لا يطاق.
مع اغتيال العالم النووي الايراني، محسن فخري زادة، كانت مواقع التواصل الاجتماعي العربية تضجّ بين مرحب (ومهلل)، بغض النظر عمن يقف وراء العملية، ومن يعلن، بلا مواربة، دفاعه عن إيران، ويرفض أي مس بعلمائها النوويين، على اعتبار أنها من الأمة، وأن هذه الجزئية تحتم علينا رفض أي مساس بها وبعلمائها، وخصوصا العاملين في مجال الطاقة... وهنا ليست الإشارة إلى ما يُعرف بمحور الممانعة والمقاومة الذي أسّست له إيران إعلاما ناطقا باسمه، فذاك أقل من أن تُخصص له هذه العجالة بالرد وبيان الحقيقة.
لا بد من القول، بداية، إن أي عملية اغتيال، على شاكله ما حصل للعالم النووي الإيراني، مرفوضة من الناحيتين، القانونية والأخلاقية، حتى نضمن ألا يتحوّل العالم إلى غابة. وبداية أيضاً، فإن ما عابته إيران، ومن يعتبرونها جزءا من الأمة، على الجهة الفاعلة والمتورّطة بالاغتيال، كانت ذات يوم، وما زالت؛ تمارسه بشتى الطرق والوسائل، وربما الفرق الوحيد بينها وبين من تورّط باغتيال زاده أنها تختار ضحاياها بطريقةٍ لا تظهر هي في صورتها، وبقدرة لا تخفى على أحد.

تستخدم إيران، في محاولتها التموضع قومياً والتوسع، أدواتٍ شتى؛ أكثرها سوءًا الأداة الدينية التي أشعلت من خلالها فتيل أزماتٍ ما كان الشرق الأوسط في حاجة لها

وهنا، من المهم الإشارة إلى ما فعلته إيران طوال سنوات ما بعد غزو العراق عام 2003 من عمليات اغتيال طاولت عشرات بل مئات وربما آلافا من المهندسين النوويين العراقيين وعلماء في الطاقة وأطباء وأساتذة وطيارين وضباطا في الجيش العراقي السابق. يومها، مارست إيران إرهابها بمنتهى الأريحية، من دون أن نسمع من يعتبر أنها جزء من الأمة يتحدّث عن هذا الإرهاب المرفوض، بل إن كثيرين كانوا يعتبرون اغتيال الطاقات والكفاءات العراقية جزءا من تصفية الحساب بين إيران وبقايا النظام البعثي، وأن ما كان بين إيران والعراق من حرب السنوات الثماني يبيح لها ما تفعل بأعداء الأمس. ووفق هذا المنطق الغريب، كانت ألسن كثيرة ترفض ما جرى لزادة اليوم، في أفواهٍ مغلقة، لا تبنس ببنت شفه نقداَ ورفضاً لما فعلته إيران وقتها، وما زالت تفعله، فبعد أن أتمت مشروع تصفية العقول العراقية، ها هي اليوم، ومن خلال مليشياتها المتنفذة في العراق، تنفذ مشروعاً لتصفية أي صوتٍ وطنيٍّ رافضٍ وجودها في العراق.
نعم، تدرك إيران جيداً تفاصيل اللعبة. لا تظهر بالصورة، وتتخفى وراء هذه الميلشيا أو تلك، على الرغم من أن تلك الميلشيات تجاهر بالقول إنها لا تخرج عن طاعة الولي الفقيه في طهران، بل زاد بعضٌ من أتباعها في العراق أن الحرب إذا وقعت بين العراق وإيران فإنه سيقف مع إيران، والحديث في تبعية هذه المليشيات لإيران ما عاد يخفى على متابع.
نعم، نكرّر رفض أي محاولة استهداف لأي شخص خارج الأطر القانونية والأخلاقية. وفي الوقت نفسه، نعيد تذكير إيران وجوقتها أن هذا ما كنتِ تمارسينه أعواما، ومع ذلك، نرفض هذا المنهج الذي رفضناه منك، ونرفض أن يقع النوع نفسه من الإرهاب عليك، لأننا نؤمن أن السياسة بلا مبادئ تتحوّل إلى نخاسة وعهر.
نعم، للدول مصالح، وإيران دولة مصالح، لا قومية ولا دينية، وإنما تستخدم هذه وتلك خدمة لمصلحتها. ولكن بحثها الدائم عن مصالحها، من دون أي مراعاة لجوار أو عرف أو مبدأ، جعل عربا ومسلمين كثيرين يضعونها في كفّة دولة الاحتلال الإسرائيلي الغاصب، حتى راح كثيرون منهم يهللون لمقتل زادة بهذه الطريقة المرفوضة، فهل هذا ما تريده إيران؟ هل هذا نصيبها من كونها جزءًا من الأمة؟
آن الآوان لإيران أن تعيد التفكير ببراغماتيتها الوحشية في التعامل مع جيرانها، فهذا جوارٌ باقٍ بحاجة إلى تفاهماتٍ تدوم. وبخلاف ذلك، لا يمكن منع عراقي أو سوري، شرّد وقتل وعذّب على يد ملشيات إيران، من أن لا يتعاطف معها حتى لو كان عدوها "إسرائيل"، حتى لو ظل يسمع من يردّدون، ليل نهار، إن إيران جزء من الأمة.