مَن يتعمّد توسيع الحرب؟
بتتبّع مجريات الحرب الإيرانية الأميركية التي بدأت قبل خمسة أشهر، يتّضح أنّ الرئيس دونالد ترامب غيّر خطابه وكذلك قراراته العملياتية عشرات المرّات. فقد طلب مساعدة أوروبا والدول الكبرى في دعم حصاره مضيق هرمز وتضييق الخناق على إيران. ثمّ قدّم مبادرات إيجابية تجاه الإيرانيين، شملت رفع بعض العقوبات ومنح استثناءات من قرار حظر الملاحة في المضيق. وكلّما اقترب مسار التفاوض من إنجاز اتّفاق، استأنف ترامب القصف واتّهم طهران بإفشال المفاوضات. وقبل أيام رصدت واشنطن مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل معلومات تسهم في كشف شبكات تمويل صناعة المسيّرات الإيرانية وآليات عملها.
في المقابل، لم تشهد مواقف إيران أو أداؤها العملياتي أيّ تناقضات أو تحوّلات مفاجئة، عدا وقف استهداف إسرائيل سواء بالمسيّرات أو بالصواريخ متوسّطة المدى، وهو ما يبدو نتيجة توافق غير مُعلَن مع واشنطن في ضوء جولات التفاوض المتقطّعة وتدخّلات وسطاء لتطويق نطاق الحرب، وتحجيم دوائرها ولو بالتدريج. وإن كان تذبذب خطاب ترامب وتبدّل مواقفه أمرَين متوقّعَين، بحكم شخصيته المتناقضة، فإنّ اتّساق تحرّكات طهران، سواء العملياتية منها أو السياسية، هو أيضاً متوقّع ومتوافق مع مزيج الحكمة والبراغماتية الحاضر دائماً في الشخصية الإيرانية.
مفاد تلك المقارنة أنّ إيران غير معنية بتوسيع نطاق الحرب، بعد أن عملت بالفعل للاستفادة من كلّ الأطراف التي يمكنها الاستعانة بها. وحرصت، في الوقت ذاته، على عدم استعداء أيّ طرف لم ينضمّ إلى تلك الحرب ضدها. ولذلك يُصرّ الخطاب الإيراني على اعتبار القواعد العسكرية والمصالح والمنشآت الأميركية في دول الخليج هدفاً مشروعاً، وإن كان السلوك الفعلي لا يطابق هذا الخطاب بدقّة، إذ استهدفت طهران منشآتٍ خليجيةً، وبينها منشآت مدنية.
لكن لا تزال إيران تتمسّك بألّا تمتدّ الحرب إلى أطراف ذات ثقل تتجنّب التورط فيها، وتحرص على علاقات متوازنة، سواء مع طهران أو مع واشنطن، وكذلك مع دول الخليج وغيرها من الدول العربية. وهو ما ينطبق تحديداً على كلّ من تركيا ومصر.
بإسقاط ما سبق على عملية استهداف سفينتَين لمعالجة الغاز في ميناء دمياط بمصر، بواسطة طائرة مسيّرة (أو ربّما أكثر)، يتّضح أنّ احتمال أن تكون إيران مسؤولةً عن هذا الهجوم يتضاءل كثيراً أمام إمكانية وقوف أطراف أخرى وراء هذا الاعتداء. فلا مصلحة لإيران في استعداء مصر أو تركيا، بل إنّ تقدير طهران لموقف القاهرة المتوازن من الحرب يُجسّده عدم إقدام الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر. كما تثمّن إيران عالياً موقف أنقرة من الحرب، خاصة رفضها اقتراح ترامب استخدام الورقة الكردية وتجييش أكراد شمال العراق للقيام بعمليات في إيران.
لم يكن حادث ميناء دمياط في مصر الأوّل في سياق محاولات توريط أطراف جديدة، فقد سبقه الكشف عن خلية تعمل لصالح أوكرانيا نفذت عمليات قصف داخل الأراضي العراقية. ومعروف مدى قوّة العلاقة وعمق التنسيق بين كييف وتل أبيب.
مَن يسعى إلى توسيع دائرة الأطراف المتحاربة هو تحديداً الطرف المتضرّر من إنهائها، وهو ما ينطبق حصراً على إسرائيل التي حرّضت ترامب على شنّ الحرب وسعت (وتسعى) إلى إفشال أيّ تسوية لإنهائها، على الرغم من استياء ترامب من صراحة نتنياهو واستفزازيته. ولا تزال تل أبيب تدفع باتجاه توسيع نطاق الحرب وتوريط دول أخرى لخلط الأوراق، وتحويل المنطقة إلى ساحة حرب شعارها "الكلّ ضدّ الكلّ"، وهو سيناريو أكثر انسجاماً مع شخصية ترامب المتقلّبة وتفكيره الحدّي، لتنشغل دول المنطقة وشعوبها بمحاربة بعضها بعضاً، وتصبح إسرائيل الوحيدة الآمنة بينها.