ميركل في إسرائيل

ميركل في إسرائيل

17 أكتوبر 2021
الصورة

ميركل تزور النصب الذكاري لضحايا الهولوكست في القدس المحتلة (10/10/2021/الأناضول)

+ الخط -

زارت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، إسرائيل، قبل أيام، ولهذا الاختيار، أن تكون هذه آخر زيارة رسمية لها، دوافعه السياسية والدينية في آن. وعند مقارنة عدد زياراتها إسرائيل مع أيّ مستشار ألماني سابق، نجد أنّ ميركل أكثرهم عدداً، فالمستشار أبو الوحدة الألمانية كما يطلق عليه، هيلموت كول، سافر خلال السنوات الـ 16 من حكمه مستشاراً مرتين فقط إلى إسرائيل، فيما زارتها ميركل سبع مرات.

كانت ألمانيا الشرقية تنظر بارتياب إلى إسرائيل، فيما أقيمت أول علاقة دبلوماسية بين إسرائيل وألمانيا الغربية في عهد المستشار الألماني كونراد أديناور الذي وقّع في عام 1952 مع أول رؤساء حكومات إسرائيل، ديفيد بن غوريون، اتفاقية التعويضات التي تلتزم فيها ألمانيا بدفع سلع وخدمات لإسرائيل بقيمة 3.45 مليارات مارك. وحرص أديناور بنفسه على أن تُحوّل تلك التعويضات في الوقت المناسب. وبهذا أوجد الثقة التي مكّنت من عقد لقاء بينه وبين بن غوريون. وعلى الرغم من التزام ألمانيا بدفع التعويضات إلى إسرائيل، إلا أن تاريخ العلاقات بينهما كان يتسم بعدم الثقة، خصوصاً من الطرف الإسرائيلي، فبعد أن أعيد توحيد ألمانيا عام 1990، قال وزير الخارجية الإسرائيلي حينها، إسحاق شامير، علناً، إنه يُخشى من أن تستغل ألمانيا موحّدة وقوية الفرصة لإعادة الهولوكوست بحق اليهود، فوجّه هيلموت كول رسالة إلى شامير، رفض فيها بصرامة تصريحاته، وقال إنها غير منصفة تجاه ألمانيا، التي تعلمت من تاريخها. وقد أثبتت التجربة عدم صحة التخوفات الإسرائيلية، فالوحدة الألمانية انعكست إيجاباً على إسرائيل، واعتبر أمن إسرائيل ينتمي إلى المصالح العليا لألمانيا كما صرّحت بذلك ميركل عام 2008.

تجاوز الأمر مسألة معاداة السامية، أو معاداة اليهود، إلى الخوف من انتقاد إسرائيل في أي من وسائل الإعلام الألمانية

ويمكن القول إن العلاقات الإسرائيلية الألمانية التزم بشأنها خطّاً موحداً كل المستشارين الألمان الذين تناوبوا على السلطة، ومعظمهم من الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي يعتبر أكثر الأحزاب تناوباً وعمراً في السلطة في ألمانيا. ما حدث في الفترة النازية ألقى ظلاله على الواقع الألماني السياسي، فقد تجاوز الأمر مسألة معاداة السامية، أو معاداة اليهود، إلى الخوف من انتقاد إسرائيل في أي من وسائل الإعلام الألمانية، كما أن عقدة الذنب أصبحت تحرّك السياسة الألمانية في الأساس. لذا كانت الجهود بمحاولة التطهر والتخلّص من هذا الذنب الذي تم اقترافه. توطّدت العلاقات على مستويات اقتصادية وسياسية وعسكرية، فألمانيا تُعد منذ فترة طويلة ثاني أهم شريك تجاري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وصدّرت مراتٍ غواصات إلى إسرائيل. كما أن ألمانيا تلتزم بصورة خاصة بحل الدولتين، وتنادي بهذا الأمر في كل مواجهة تحدُث بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتشدّد عليه. لكن يبدو أن لعلاقة الحزب المسيحي الديمقراطي بإسرائيل دوافع دينية، ففي كتابه "صداقة مستحيلة، ديفيد بن غوريون وكونراد أديناور" يرى الكاتب ميشاييل بورشارد، المدير السابق لمكتب مؤسسة كونراد أديناور في إسرائيل، أن المستشار الألماني السابق صهيوني كاثوليكي من منطقة الراين، وأنه كان يشعر، منذ العشرينيات، باهتمام كبير وارتباط مع اليهودية. وكان بن غوريون يدرك أنه يحتاج إلى المال من ألمانيا لبناء دولته الفتية.

العلاقات الإسرائيلية الألمانية التزم بشأنها خطاً موحداً كلّ المستشارين الألمان الذين تناوبوا على السلطة

وتعيدنا هذه الإشارات إلى التمعّن في العلاقة مرة أخرى بين الحزب الديمقراطي المسيحي وإسرائيل، على الرغم من التناقض المرعب الذي يكتنف الحزب، ففي وقتٍ يشار إلى الصهيونية المسيحية داخل أروقة الحزب، هناك المنشقّون عن الحزب، والذين أسّسوا الحزب اليميني، البديل من أجل ألمانيا، والذي يعتبر غطاءً سياسياً للحركات النازية، كما أنه يستخدم المصطلحات النازية في خطاباته، ولديه المواقف نفسها فيما يتعلق بمعاداة اليهود والسامية. لكن هذه الإشارات التي ذكرها الكاتب تعيدنا إلى الخلفية الدينية للمستشارة ميركل، وتربيتها الكاثوليكية المحافظة، فوالدها قسّيس من ألمانيا الشرقية. ويبدو أن تربيتها الدينية أحد الدوافع لزياراتها الكثيرة إلى إسرائيل. وإن كان الأمر يحتاج إلى دراسة بصفة منفردة. لكن باستعراض العلاقة بين ميركل وإسرائيل، نجد أنها في 2008 كانت أول ممثلة حكومية أجنبية تتحدّث أمام الكنيست. وذلك باللغة الألمانية، لغة الجناة (جناة الهولوكوست). وأمام البرلمان الألماني لم يتحدّث من الجانب الإسرائيلي سوى الرئيس شيمون بيريس الذي دُعي لحضور الاحتفال بالذكرى السنوية للبرلمان، ترحّماً على ضحايا القتل الجماعي الذي نفذه النازيون.

وفي خطابها (التاريخي) ذاك أمام الكنيست، ظهرت ميركل متأثرة، عندما قالت: "بالتحديد في هذا الموقع، أقول، بكل وضوح، إن كل حكومة ألمانية وكل مستشار قبلي كانوا ملتزمين بالمسؤولية التاريخية الخاصة لألمانيا بالنسبة إلى أمن إسرائيل. وهذه المسؤولية التاريخية لألمانيا جزء من سياسة الدولة التي تتبنّاها بلادي. وهذا يعني أن أمن إسرائيل بالنسبة لي كمستشارة ألمانية غير قابل أبداً للمساومة". وميركل أيضاً أول مستشارة ألمانية تحضر اجتماعاً لمجلس الوزراء الإسرائيلي، ولهذا دلالة واضحة على دعمها لإسرائيل. وزياراتها المتكررة إسرائيل، واختيارها دولة الاحتلال هذه لتكون آخر محطة لها في حياتها السياسية، يتجاوزان عملية الدعم السياسي إلى مسألة العقيدة، ويلقيان ظلالاً من الشك على التنشئة الدينية التي تمتعت بها المستشارة، ويحيلان إلى سؤال كبير يتعلق بالصهيونية المسيحية، فهل هناك امتداد لهذه المسألة داخل الحزب المسيحي الديمقراطي، من كونراد أديناور إلى ميركل؟ تحتاج الإجابة بحثاً بصورة معمّقة.