موقعة الجونة: مباحث أمن السينما

موقعة الجونة: مباحث أمن السينما

20 أكتوبر 2021
الصورة

فيلم "ريش" لعمر الزهيري يكرّم في مهرجان كان السينمائي ويُهاجم في مصر!

+ الخط -

في مهرجان الجونة السينمائي، الأسبوع الماضي،  كما في روسيا، مونديال 2018، يتلقى فيلقٌ ممثلي الجنرال عبد الفتاح السيسي وممثلاته هزيمةً تجعلهم مسخرة الداخل والخارج.

هذه المرّة، من حيث أرادوا إشعال مواقد الوطنية الفاسدة، لإحراق مخرج فيلم "ريش" الفائز بجائزة خاصة في مهرجان كان، فإنهم منحوا الفيلم شهادات الجدارة والاستحقاق والتميز، بهجومهم الذي أثار قرف كل من له صلّة بالسينما الحقيقية.

ومن حيث أرادوا أن يثبتوا أنهم فنانو الوطن، فقد ظهروا أمام الكافة مجموعةً من أفراد مباحث أمن السينما، الذين يدافعون عن الاستبداد والطغيان ضد الفن الجادّ والثقافة المحترمة، وينسحبون أمام السينما الحقيقية، مثل سربٍ من الخفافيش، داهمه النور بغتةً، فأخذ يتخبّط ويهذي بشعارات مضحكة.

هذا المشهد لمجموعة ممثلي مسلسل "الاختيار" وغيره من منتجات الدراما العسكرية، وهم يغادرون قاعة عرض فيلم "ريش" الذي يتناول القضايا الحقيقية في المجتمع المصري، من منظور صنّاع الفنون، وليس بعين تجّار المعلبات الوطنية الفاسدة، يمكن اعتباره عنوانًا لحال الفن في زمن الجنرالات، أو بالأحرى حال الفن عندما يحتكره الطغاة، كتابةً وإخراجًا وتمثيلًا وإنتاجًا.

شيءٌ من ذلك تجده في علاقة الاستبداد العسكري بالرياضة، وخصوصًا كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبيةً وجماهيرية، كما جرى في مونديال روسيا قبل ثلاث سنوات، والذي حوّلته آلة الإعلام العسكري من مناسبةٍ رياضيةٍ جميلةٍ إلى حفلٍ ماجن للدعاية للجنرال الذي يحكم مصر، وتمجيده بالأعلام والطبول، تدقّها مجموعة الممثلين المحمولين جوًا، على نفقة دافع الضرائب الغلبان، وحين وقعت الهزيمة علقوها، كالعادة، برقبة أعداء الوطن الشامتين، كما حاولوا تحميل اللاعبين المسؤولية.

كانت المحصلة، في روسيا، ابتذالًا لمعنى الوطن وابتذالًا لكرة القدم وابتذالا للفن وابتذالا للتاريخ الفرعوني ذاته، بكلمةٍ واحدةٍ كانت هزيمة تاريخية لقوى الابتذال والإسفاف الناعمة.

يتكرّر المشهد في مهرجان ساويرس السينمائي، حيث يصبح الوطن عند هؤلاء هو ما يحب أن يشاهده السيسي، في مسلسل "الاختيار" وغيره من أعمال دراميةٍ محشوّةٍ بكل الأكاذيب التاريخية والاجتماعية، المصنوعة في مطابخ الأجهزة الأمنية. وبالتالي، يصبح انتقادها أو الاعتراض على مضمونها نوعًا من خيانة الوطن، والتآمر عليه.

من الطبيعي، والحال كذلك، أن تنتفض مجموعة ممثلي الاستبداد ضد عملٍ سينمائي يقدّم الوجه الآخر، الحقيقي، للمجتمع المصري، ويعرّي تلك الأكاذيب التي ترصّع فساتين ممثلات مهرجان الجونة (السياحي)، والذي يرسّخ ذلك المفهوم المبتذل لعملية  الإبداع، والتي هي، حسب مفهوم السيسي، أن تكتب وتنتج أعمالًا فنية تبرز عظمة الحاكم، وتحارب كل من يعارضه أو ينتقده، وتقول للمتلقي إن هؤلاء هم أعداء الوطن، بل أنه يحدّد  الموضوعات التي ينبغي أن تكون حاضرة في الدراما الوطنية، بحسب كلامه مع سيناريست من هذه النوعية في مداخلةٍ تلفزيونية، وهي إنجازات الزعيم في مجال مشروعات الإسكان والطرق والكباري وتطوير نظام امتحانات الثانوية العامة .

ما جرى في مهرجان الجونة متسقٌ تمامًا مع مرحلةٍ تتسم بتسييد مفهوم فاسد للوطنية، وللفن والإبداع في الوقت ذاته، تفرضه سلطةٌ تعتبر سكريبت مسلسل الاختيار أكثر قداسةً من نصوص الدستور، وعليه يصبح الإبداع جريمة وكفرًا بالوطن إن تمرّد على السائد والتقليدي، أو خرج عن نصوص الجنرال وتعاليمه في مسلسل "الاختيار".

وكما دوّنت ذات يوم، أمضت البشرية قرونًا من النقاش والصراع حول السؤال: الفن للفن أم الفن للمجتمع؟ حتى جاءت مجموعة من البلداء والتافهين استولت على الوسط الفني وحسمت القضية: الفن والمجتمع للسيسي.