موسم الهجوم على ثورة 25 يناير
تمثّل الأحداث المفصلية الكبرى نقاط تحوّل في تاريخ الشعوب، من شأنها إعادة تشكيل الوعي الذاتي، وغالباً ما تكون مصحوبةً ومتبوعةً بحالةٍ من العصف الذهني الموسَّع. فالأحداث التاريخية تقبل، بطبيعة الحال، إعادة القراءة أكثر من مرّة، من المعاصرين واللاحقين على السواء، بعد مرورها في فترة كافية تهدأ فيها اللواعج، ويتحرّر العقل من المؤثّرات والانفعالات المصاحبة لوقوع الحدث، فالاقتراب الشديد من الصورة يحول دون رؤية معالمها، بينما الابتعاد مسافةً معقولةً عن اللوحة، يسمح للأعين أن تتأمّل تفاصيلها كافة بصورة شاملة.
من الطبيعي أن تختلف قراءة الحدث التاريخي باختلاف زوايا النظر، وفق عدّة عوامل في مقدّمها الموقع الاجتماعي، والحصيلة المعرفية، ومدى الاستفادة أو التضرّر من التغييرات الناتجة من الحدث؛ ولكن من غير الطبيعي على الإطلاق أن تختلف القراءة اختلافاً كليّاً يصل إلى التناقض الكامل، إلى درجة يجد المرء فيها نفسه تائهاً بين روايتَين متنافرتَين، تنفي إحداهما الأخرى، وتُعدّ ثورة 25 يناير (2011) المثال الأبرز في هذا الصدد. وبالرغم من مرور 15 عاماً على وقوعها، فإن الانقسام ما زال قائماً بشأن قراءة ما جرى في ذلك اليوم. وكلما تحلّ الذكرى، وصولاً إلى ذكرى تنحّي حسني مبارك (11 فبراير/ شباط)، يشتعل الجدل مجدّداً وتتسع الهوّة بين فريقَين: يراها بعضهم ثورة عظيمة أطاحت نظاماً سلطوياً جثم على صدر مصر ثلاثة عقود، في حين يفيض الفضاء الإعلامي المصري بخطابٍ "مؤامراتي" زاعق يقدّم تفسيراً تآمريّاً فجّاً، يزعم إن ما جرى كان مؤامرةً أجنبيةً كبرى استهدفت إسقاط الدولة المصرية، وإخضاع مصر لسياسات قوى دولية لا تُضمر لمصر أيَّ ودّ، عبر تمويل شبكة ضخمة من النشطاء، انساقت وراءهم قطاعات من الشعب من دون وعي. وكأنّ ثورة يناير قد خرجت من العدم من دون أن تسبقها مقدّمات وإرهاصات ظلّت تتراكم سنواتٍ حتى انفجر المرجل بغتةً، بعد فترة طويلة من الغليان، في غفلة من سلطة معزولة عن الشعب. فالثورة هي العملية الجراحية التي تلجأ إليها الحياة في الأمّة، بعد أن تُسدَّ في وجهها السبل الطبيعية للتدفّق والانسياب، وفق تعبير فتحي رضوان؛ فالحياة كالمياه تشقّ لنفسها المجاري والجداول، فإن وجدت عقبةً دارت حولها، فإن تعذّرت كل محاولة، فاضت وحطّمت الجسور وأغرقت ما حولها حتى تشقّ طريقاً طبيعيّاً.
التفسير "المؤامراتي" للأحداث هو أعجز التفسيرات؛ فمن شأنه تعطيل العقل عن العمل، وإعفاء الذات من المسؤولية والاعتراف بالخطأ، ما يؤدّي إلى إعادة إنتاج الأخطاء. كما أنه غالباً ما يصطدم بقواعد العقل والمنطق، مثل القول إن "مؤامرةً" كبرى هي التي أخرجت المصريين في "25 يناير"، وكأن الجموع الحاشدة التي خرجت في الثورة، ومثّلت الشعب المصري بطبقاته وفئاته كافّة، كانت حفنة من المغيَّبين المخدوعين الذين تنطلي عليهم أيُّ دعوى جوفاء، ويسهل دفعهم في أيّ مسار (!). وتتعيّن الإشارة إلى أن الدولة المصرية راسخة رسوخ الجبال، ولم تكن يوماً معرّضة لخطر السقوط في أيّ مرحلة تاريخية، حتى في فترات الاحتلال. لكن السؤال الذي يفرض نفسه وفقاً لذلك الخطاب "المؤامراتي": من هي تلك القوى الدولية التي استهدفت نظام حسني مبارك وسعت إلى إسقاطه؟
الدولة المصرية راسخة رسوخ الجبال، ولم تكن يوماً معرّضة لخطر السقوط في أيّ مرحلة تاريخية، حتى في فترات الاحتلال
كانت الرتابة والنمطية هي السمة الأبرز لعهد مبارك الطويل (امتدّ من دون مبرِّر ثلاثة عقود)، الذي يمكن أن نصفه بأنه كان عصر اللافكرة واللامشروع في الداخل والخارج. فمبارك، الذي كان أداؤه السياسي قائماً على التعامل مع المشكلات المتراكمة المعقّدة بـ"المسكّنات" اليومية من دون رؤية طويلة المدى، وكان أشبه ما يكون بالموظف الحكومي، لم يمثّل في أيّ مرحلة من عهده المديد مصدر إزعاج للقوى الدولية. فمصر في عهد مبارك كانت حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة، ولم تخرج عن الخطّ السياسي الأميركي. وبطبيعة الحال، لم تكن يوماً من القوى المناوئة للسياسات الأميركية في المنطقة. كما أنّ نظام مبارك لم يمثّل تهديداً من أيّ درجة لإسرائيل؛ فقد حرص على الالتزام بمعاهدة السلام ولم يسعَ يوماً إلى خرقها أو تعديلها. كما أن المعادلة الاستراتيجية التي أرستها "كامب ديفيد" برعاية أميركية صبّت في صالح إسرائيل التي اغتنمت فرصة السلام مع أكبر دولة عربية، من أجل التمدّد وتوسيع النفوذ، الذي وصل إلى المجال الحيوي لمصر مثل دول حوض النيل.
ولو استسلمنا للتفكير "التآمري" الذي يقول إنه قد تنجح "مؤامرة" ما في دفع أعداد صغيرة للخروج في بقعة محدودة، فأن تنجح جهة ما، مهما بلغت قدراتها، في دفع جموع غفيرة تضمّ مختلف الفئات العمرية والاجتماعية للخروج بطول دولة كبيرة محورية وعرضها مثل مصر، فهذا من ضروب المحال، يستعصي قبوله وفق قواعد العقل والمنطق. والمفارقة التي تستحقّ التوقّف وتدحض فرضية "المؤامرة"، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها فوجئت بثورة 25 يناير. فقد شهد الكونغرس بمجلسَيه (الشيوخ والنواب) مناقشات عاصفة إبّانها، هيمن عليها اتهام أعضاء الكونغرس (بلهجة صريحة) أجهزة الاستخبارات الأميركية بالعجز والفشل في التنبؤ بوقوع الأحداث في مصر وتقديم تحذير كافٍ للرئيس الأميركي باراك أوباما، وانشغال الأجهزة الاستخباراتية بمطاردة تنظيم القاعدة. فقد قالت رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ديان فاينشتاين، بعد جلسة الاستماع عن الأحداث في مصر مطلع فبراير/ شباط 2011، إن أداء المجتمع الاستخباراتي كان "قاصراً" على الرغم من المخاطر المتعلّقة بإمكانية حدوث احتجاجات تهدّد باضطراب كبير وهائل في الشرق الأوسط.
نظام مبارك لم يمثّل تهديداً من أيّ درجة لإسرائيل؛ فقد حرص على الالتزام بمعاهدة السلام ولم يسعَ يوماً إلى خرقها أو تعديلها
وقد عقدت لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي جلسةً مهمّةً في 10 فبراير 2011، وفقاً لـ"BBC" (عربي)، حضرها مدير وكالة الاستخبارات الوطنية الأميركية جيمس كلابر، وهو أرفع مسؤول استخباراتي في الولايات المتحدة، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، ليون بانيتا، إذ قالا إن بمقدور الأجهزة التنبؤ بوقوع الاضطرابات، ولكنّها لا تستطيع التنبؤ بالشرارة التي تدفع الناس إلى الخروج إلى الشوارع. حاول كلابر دفع تهمة التقصير عن نفسه، قائلاً إنه درس آلاف التقارير الاستخبارية، واستنتج أن الأجهزة قامت بعمل جيد بمتابعتها الأحداث في تونس ومصر، وإعدادها تقاريرَ دقيقةً عن أوضاع تتغيّر بسرعة فائقة، وأصرّ على أنه لا يمكن دائماً التنبؤ بالشرارة التي تشعل الأحداث. بينما قال بانيتا إنهم تعلّموا من أحداث تونس ما يجب أن ينتبهوا إليه في أحداث مصر، وأضاف أنه شكّل فريقاً من 35 شخصاً لفحص الأحداث في مصر، وطلب من رجاله فحص أمور مثل المشاعر الشعبية وقوة المعارضة ودور الإنترنت، لكنّه أكّد أنه لا يستطيع أن يَعد بالقدرة على التنبؤ بالثورة المقبلة، موضحاً ذلك بالتنبؤ بزلزال أرضي، قائلاً إن العلماء يستطيعون استشعار خطر اقتراب الهزّة، لكنّهم لا يستطيعون تحديد وقت وقوعها، معترفاً بخطأ الأجهزة في استنتاج أن زين العابدين بن علي سيبقى في السلطة، وهو ما أغضب الرئيس أوباما، وقال إن الجميع كانوا يعتقدون أن الديكتاتور سيقضي على التمرّد، وأنه حتى بن علي نفسه لم يكن يعلم أنه سيغادر حتى اضطر للقفز إلى الطائرة.
وعلى صعيد آخر، يدحض شبهة "المؤامرة" عن ثورة يناير تقرير رسمي بالغ الأهمية عن أحداث "25 يناير"، وهو تقرير لجنة تقصي الحقائق في إبريل/ نيسان 2011. وتعود بداية تشكيل اللجنة إلى قرار رئيس الوزراء في حينه، أحمد شفيق، تكليف المستشار الراحل عادل قورة (رئيس محكمة النقض الأسبق) رئاسة اللجنة التي شُكِّلت من عدة قضاة ورجال قانون، وكان أمينها العام المستشار عمر مروان، الذي صار لاحقاً وزيراً للعدل. وكانت مهمّة اللجنة البحث في التجاوزات التي حدثت إبّان الثورة، وتحديد المتسببين فيها، سيّما ما حدث في 2 فبراير 2011 (موقعة الجمل). واستعانت اللجنة بقضاة كثيرين من ذوي الخبرة، والباحثين من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والمحقّقين والمعاونين من ذوي الخبرة في جمع المعلومات وإجراء البحوث الميدانية، الذين التقوا أطباء وعاملين في المستشفيات وشهود عيان في عدّة محافظات.
رفعت اللجنة تقريرها النهائي في 19 إبريل 2011، وجاء في 400 صفحة، بيد أن نصّ هذا التقرير وتفاصيله لم تُنشر قط. وأعدّ رئيس اللجنة ملخّصاً من هذا التقرير لم يتضمّن تفصيلات وأسماء، مكتفياً بالمبادئ العامة والتوصيات. وجاء الملخّص، الذي نشرته الصحف المصرية حينذاك، في 45 صفحة، وفي مقدّمته: "ثورة 25 يناير 2011 ثورةٌ اجتماعيةٌ كاملةٌ بمعنى الكلمة، إذ شكّلت حدّاً فاصلاً بين عهدَين ونقلة كبيرة بين نظامين، وكانت هناك عوامل بمثابة الوقود الذي أشعل هذه الثورة يمكن إيجازها في: الفساد السياسي وغياب شبه كامل للحريات العامة والأساسية، وصنع ديمقراطية ديكورية فقط لم يتفاعل معها الشعب المصري، وغياب العدالة الاجتماعية وبروز الفوارق الشاسعة بين الطبقات، حتى صارت تقريباً طبقتَين فقط، وتخلّي النظام السابق نهائيّاً عن مسؤولياته السياسية والاجتماعية تجاه المواطنين، وانتشار الرشوة والمحسوبية حتى أصبحتا لغةً وثقافةً متعارفاً عليها يوميّاً في حياة المصريين، والقمع الأمني الذي استخدمه النظام في تمرير مشاريعه وإسكات الأفواه المعارضة له، والتضليل الإعلامي وتفريغ الحقائق من مضمونها".
التفسير "المؤامراتي" للثورة أعجز التفسيرات؛ يعطّل العقل ويعفي الذات من المسؤولية
وُصفت ثورة 25 يناير بـ"المؤامرة" من خصومها من أصحاب المصالح الملوّثين بالفساد، الذين أصابهم ضرر كبير منها، أو ممَّن هُدِّدت امتيازاتهم الاجتماعية "غير المكتوبة" التي يتمتّعون بها من دون مبرّر منطقي. كما وصفها آخرون بـ"الفتنة" التي يجب اعتزالها، من الذين تقبع عقولهم في عصور سحيقة، ممَّن لم يكن لهم أيُّ مشاركة من قريب أو بعيد في الثورة، بل إنهم وقفوا ضدّها بكلّ قوة، وقفز بعضهم إلى قطارها في اللحظات الأخيرة، ثم قفزوا بثخانة وجه منقطعة النظير على مكاسبها سطواً وعنوة، وافتعلوا معركةً جوفاء بغير جند حول المادة الثانية من الدستور التي لم تكن محلّ تعديل أو نظر، حين رأوا أن الثورة قامت لإعادة اكتشاف الهُويّة الحضارية وإعادة الشعب إلى حظيرة الدين، وكأنّ جموع المصريين الذين خرجوا إبّان الثورة قد خرجوا للتمرّد على القيم الدينية، في حين أن المصريين خرجوا لأهداف سياسية واجتماعية، مطالبين بتوزيع عادل للثروة وتداول للسلطة، وتفكيك بنية الفساد والاستبداد الذي ما حرّك ساكناً عند أولئك القوم، الذين تحوّل موقفهم تجاه الثورة من الزمهرير إلى الهجير، دفعةً واحدةً من دون حياء أو خجل. والمفارقة العجيبة أن ثورة 25 يناير طُويت صفحتها، ولا يمكن استعادة مشاهدها القديمة، وأنها مُنيت بهزيمة ساحقة، بعدما أخفقت في تفكيك البُنى السياسية والاجتماعية القديمة، ولم تقدّم بديلاً فابتلعتها الوجوه القديمة البائسة المفلسة، ما أعاد إنتاج تلك الثنائية الصراعية القديمة المنكودة نفسها (دولة يوليو/ تموز 1952 – جماعة الإخوان المسلمين).
لملمت ثورة يناير أوراقها وحملت كتابها، ولم يبق منها سوى ذكرى باهتة مثيرة للشجن، تمثّل شبحاً شاحباً لا يملك أن يدفع ضرّاً عن نفسه أو يجلب نفعاً، بينما يظلّ ماثلًا أمام أنظار خصومها مثيراً لقدر كبير من الذعر والخوف لديهم، وهو ما يستدعي ذلك الكم كلّه من حملات الطعن والتشويه، لتخويف عموم الناس من محاولة تكرار المشهد، سيّما الأجيال الجديدة التي لا تعرف شيئاً عن الثورة، من الذين كانوا في سنّ الطفولة في يناير 2011، ودلفوا إلى مرحلة الشباب.
في كل الأحوال، يظلّ القدر المتيقَّن منه أن ثورة 25 يناير جمعت بين المحاسن والمساوئ، لكن الفشل الذريع الذي آلت إليه جعل الأنظار تنصبّ على مساوئها، بل تعمل على تضخيمها، ما أتاح الفرصة لخصومها أن يرموها بما ليس فيها، وهو ما كان سيتغيّر تماماً لو كُتب لها النجاح، ولو جزئياً. ومع هذا، يظلّ مؤكّداً أن تاريخ الثورة لم يُكتب بعد لأسباب عديدة لا مجال للتفصيل فيها. وهنا يحسن أن نستعير ما كتبه فتحي رضوان: "وعندما تخبو نار الثورات وتهبط أعلامها وتخفت صيحاتها، يكون من العبث محاولة استعادة ماضيها وتذكّر وقائعها، لتُبنى على الذكريات حقائق جديدة... ذلك كلّه يذهب إلى ذمة التاريخ... والتاريخ (للأسف) قابض بطيء كسول، ولكنّه مع ذلك يقول أحياناً كل الحق، ويقول كثيراً بعض الحق... ولكنّه يتكلّم في جميع الأحوال".