موسم الهجرة إلى الضياع

موسم الهجرة إلى الضياع

23 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

هاجر السوريون منذ نهايات القرن التاسع عشر. هاجروا إلى الأميركتين وأستراليا وأوروبا. كثيرا ما بدأوا بائعين متجوّلين، ثم تحولوا إلى رجال ونساء أعمال ناجحين، وكتّاب وأطبّاء ومهندسي طيران وأساتذة جامعات وأفّاقين ومهرّجين ورؤساء جمهوريات، بيد أن معظمهم كانوا ناجحين في حياتهم وأعمالهم.

تمثّل مرتا أندراوس حدّاد، بطلة رواية ربيع جابر، "أميركا"، مسيرة السوريين المهاجرين مطالع القرن العشرين. شابة تضطرّ للسفر من قرية بتاتر في لبنان الذي كان جزءا من سوريا إلى أميركا، على متن سفينة هائلة، فتجد زوجها وقد تزوّج من أميركية وعاش حياته، من دون أن يفكّر في أمر زوجته. كان أمام مرتا حلّان: أن تعود إلى البلاد خالية الوفاض، وهو ما كان أمرا شديد الصعوبة، يحتاج مالا وجهدا وهدرَ كرامةٍ، أو تبدأ حياتها من الصفر في العالم الجديد، وهو ما فعلته. انصرفت إلى حياة العمل، وكوّنت ثروة، وتزوجت من اللبناني الدرزي علي جابر، زواجا مدنيا غير مسبوق، وأنجبت أربعة أبناء، ذكوراً وإناثاً، وماتت في 1973 عن ثمانين عاماً، تاركة وراءها ثروة كبيرة وأبناء رائعين. سيرة مرتا ورعبها من الكرنتينا (العزل) وكفاحها وذكاؤها وإصرارها وعملها بائعة كشّة متجوّلة، ثمّ تدرّجها حتى تكوّن ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة، ذلك ما صوّرته الرواية، وذلك ما يعبّر عن جيل مضى من المهاجرين السوريين.

زحف سوريون كثر بعد تخرّجهم من الجامعات السورية إلى باريس للدراسة هناك والاستقرار، هربا من الاعتقال والقتل

وصل الأخوان زخريا من بيت لحم إلى البرازيل عام 1877. وبدأت هجرة السوريين إلى الأرجنتين عام 1876، وبلغ عددهم عام 1914، حسب إحصاءات الحكومة الرسمية، 139500 مهاجرا، ويبلغ عدد السوريين اليوم في الأرجنتين نحو 10% من مجموع السكان، أي حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون إلى أربعة ملايين متحدر من أصل سوري ولبناني، ويوجدون في جميع مناشط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي أميركا الشمالية وصل حنا خليل مرقص عام 1851 قادما من فلسطين، حيث شارك في معرض عالمي للتحف التذكارية في مدينة شيكاغو. وفي عام 1888 سافر أمين الريحاني ولحق به جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وفوزي المعلوف. وأسّسوا رابطة القلم، وحقّق بعضهم مكانة كبيرة في المشهد الثقافي الأميركي.

وشهد القرن العشرون موجات من هجرة السوريين إلى أوروبا. وكان كثرة منهم يحاولون اقتفاء أثر توفيق الحكيم في "عصفور من الشرق"، والطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"، وسهيل إدريس في "الحي اللاتيني". وفشل معظمهم في تحقيق صورة الفاتح الشرقي الذي يغزو الغرب بسهولة بسبب سمرة بشرته وفحولته، ولكنهم مع ذلك أسّسوا لأنفسهم أسرا وأعمالا وتعليما عاليا وثقافة لا بأس بها. وفي ثمانينات القرن الفائت، زحف سوريون كثر بعد تخرّجهم من الجامعات السورية إلى باريس للدراسة هناك والاستقرار، هربا من الاعتقال والقتل في تلك الفترة الحالكة التي وسمت معظم سنوات ذلك العقد. وفي نهايات القرن وبداية الألفية، بدأت موضة الهجرة إلى كندا، وصارت الأسر الثرية تهاجر إلى كندا، لتحصل فقط على جواز السفر الكندي، وتستفيد من نظام الرعاية الاجتماعية والتعليم، ثمّ تعود لتعمل وتُثريَ وتستقرَّ في الشام.

تحولات سياسية تشمل العالم الديمقراطي بأسره، تتّصف بالتقدّم المستمرّ الذي يحقّقه اليمين المتطرّف والتيارات الشعبوية المعادية للأجانب والملوّنين وأتباع الديانات الأخرى

ثم جاء الإكسودوس الأكبر. مع اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وردّ النظام الهمجي الذي أطلق الرصاص الحي منذ الأيام الأولى للانتفاضة السلمية وقتها، قبل أن يُلقي البراميل ويقصف السوريين بالسلاح الكيميائي، خرجت موجاتٌ هائلةٌ من السوريين إلى دول الجوار، وانتشرت منها إلى جميع أصقاع المعمورة، وبخاصة أوروبا. كان السوريون يحلمون بالفرار بأنفسهم وأولادهم من الموت والجوع والاعتقال والتعذيب إلى حيث يبنون مستقبلا آمنا لأبنائهم، بيد أن مصيرهم كان مختلفا إلى حدّ بعيد عن مصير أسلافهم من المهاجرين.

يتغيّر العالم بشكل متسارع، وتحْدث التغيّرات في جميع الدول والأقاليم، بما في ذلك الدول الغربية. وبينما كان المهاجرون السوريون في القرنين السابقين يجدون أمامهم عالما من الفرص المفتوحة عن طريق التعليم والعمل، وسبيلا للرعاية الاجتماعية والمساواة والحريات التي كانوا يفتقدونها في وطنهم، رمى المهاجرون في الألفية الجديدة أنفسهم في عالمٍ من رمال متحرّكة بدون أي ضماناتٍ حقيقية، سياسية واجتماعية واقتصادية.

تعاني الديمقراطيات الغربية من تراجع كبير في اقتصاداتها منذ بداية الألفية، ويستطيع المراقب أن يرى تراجع الإنتاج والخدمات في الاتحاد الأوروبي، في مقابل ارتفاع الدين الحكومي المستمرّ والذي يتشكّل ككابوس مزعج على الحكومات الأوروبية. وثمّة مشكلات كبيرة تتحكّم باقتصادات أوروبا، منها انفصال بريطانيا عن الاتحاد (بريكسيت)، وتباطؤ الإنتاج، والهجرة، والشعبوية. ومنها أيضا تغيّر المناخ وتقدّم سكان القارة في العمر مع انخفاض نسبة الشباب، والثورة الرقمية التي يمكن أن ترفع البطالة بين العمّال العاديين. ثمّ جاء وباء كوفيد - 19 لكي يزيد الطين بلّة، حيث سجلت فرنسا مثلا تراجعا تاريخيا بلغت نسبته 13,8% في إجمالي ناتجها المحلي في الفصل الثاني من 2020 بسبب الجائحة، في أكبر انهيار منذ بدء قياس النشاط الاقتصادي الفرنسي الرُبعي. وينعكس تراجع الاقتصاد الأوروبي على خدمات الرعاية الاجتماعية التي تقدّمها معظم الحكومات الأوروبية لمواطنيها والمقيمين على أراضيها، من تعويض بطالة ورعاية صحية مجانية وإعانات للأسر الفقيرة.

رمى المهاجرون السوريون في الألفية الجديدة أنفسهم في عالمٍ من رمال متحرّكة بدون أي ضماناتٍ حقيقية، سياسية واجتماعية واقتصادية

وسياسيا، هنالك تحولات سياسية تشمل العالم الديمقراطي بأسره، تتّصف بالتقدّم المستمرّ الذي يحقّقه اليمين المتطرّف والتيارات الشعبوية المعادية للأجانب والملوّنين وأتباع الديانات الأخرى. ولئن تراجع تأثير الشعبوية الأوروبية بسبب هزيمة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في انتخابات العام الماضي، إلا أنها لا تزال متقدّمة في عدد من البلاد، فبوريس جونسون يعزّز موقعه في المملكة المتّحدة في استطلاعات الرأي، وتصعد أسهم الزعماء والتيارات السياسية من أقصى اليمين إلى صدارة المشهد السياسي، مع صعود فيكتور أوربان في هنغاريا وروبرت فيكو في سلوفاكيا وياروزلاف كاتشينسكي في بولندا. وفي فرنسا، أعيد انتخاب مارين لوبِان رئيسة لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرّف، وتستعد لخوض انتخابات الرئاسة في العام المقبل. ولا يزال حزب البديل من أجل ألمانيا وحركة بيغيدا في ألمانيا يحرزان مزيدا من المكاسب هناك.

في هذا الجزْر للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، جاءت هجرة السوريين الكبرى، وهي جاءت بدون فُرص وبدون آفاق واسعة ولا آمال كبيرة. باستثناء قلّة من المجدّين أو المحظوظين، ملايين السوريين منتشرون كنجوم السماء في دول العالم المتقدّمة، يحاولون تحقيق حلم قديم في حياة أفضل، ولكن معظمهم يعيش حياته في الحدود الدنيا، يعملون في المطاعم وقطاع الخدمات ومنظّمات المجتمع المدني، ولكنهم لا يتمتعون على أية حال، بسبب التراجع الاقتصادي ونمو اليمين المتطرّف وكراهية الأجانب، بالحقوق والمساواة والإحساس بالحرية التي تمتّع بها أسلافهم من المهاجرين، ناهيك بالطبع عن الحلم في إعادة فتح الأندلس عن طريق الفارس الأسمر الذي يوقع السيدات البيض في غرامه من أول سهم.