موتٌ بسبب الفقر والعزلة

24 نوفمبر 2025

(محمّد المنصوري الإدريسي)

+ الخط -

قد يبدو الأمر غريباً لمن يقرأ أن ثمّة في بلد خليجي من يموتون بسبب الفقر، وأن ربَّ أُسرةٍ لم يستطع سداد فاتورة الكهرباء، فقطعت الشركة عنه التيار، ما اضطرّه إلى استخدام مولد كهربائي يعمل بالبنزين، فتسرّب الغازُ المنبعث من العادم إلى غرفة النوم، ما أدّى إلى موت خمسة أشخاص وهم نيام، مع جنين في بطن أمّه... لم يعتد المجتمع العُماني الميّال بطبعه إلى الهدوء سماع مثل هذا الخبر الفاجع. وتوالت في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقالات صحافية، وفيديوهات، صرخات الاستنكار لتحميل شركة الكهرباء مسؤولية قطع الكهرباء تعسّفياً عن الأسرة الهالكة، إذ توزّعت أيضاً صورة رسالة قد تركها الراحل (بخطّ يده) ملصقة أسفل الفارغ، يطلب فيها من الشركة التريّث في قطع الكهرباء، حتى يتدبّر أمر السداد، مع عدم تبرئة الجيران الذين لم يشعروا بأحوال جارهم وعائلته، في مجتمعٍ صار ينحو نحو الفردانية والعزلة. والغريب أن الحادثة وقعت في قرية على أطراف مسقط، كاسراً ما نعرفه عن القرى من صورة عن تراحم وفضول ومراقبة للأحوال والسكنات.
حتى وقت قريب، كانت، في معظم القرى العُمانية، مضافات مفتوحة تعرف محلياً بالسبلة (مشتقّة من السابلة)، حتى إن في بعض القرى أكثر من سبلة. في قريتي سرور، مثلاً، كان هناك نحو خمس منها، منها سبلة جدّي ناصر. تكون عادة مليئة بالغادين والرائحين يتبادلون من خلالها آخر الأخبار والعلوم. معظمها حالياً مغلق، بما فيها سبلة جدّي التي أتذكّر أنها لم تكن تخلو من الزوار، ودائماً يقدّم فيها التمر والقهوة لكلّ قادم. صار معظمها مغلقاً ولا يفتح إلا في المناسبات المتباعدة، ونتيجة هذه النقلة الانعزالية للمجتمع، ما حدث للأسرة الوديعة التي فارقت الحياة من دون أن يعرف أحد من المحيطين عن أحوالها الضاغطة.
يتحمّل وزر هذه الفاجعة الفقر، والعوز إلى أدنى الحاجات الأساسية للحياة، وربّما البلاد وناسها يدفعون ثمن عقود طويلة من الطبقية والفساد المالي الذي أصبح جهاز الرقابة المالية للدولة يكشفه بين فينة وأخرى، ومن دون التردّد في نشره في مختلف وسائل الإعلام. ولكن التصحيح ربّما يحتاج إلى وقت أطول لترميم الثغرات وسدّ الفجوات. وحتى يحين ذلك الوقت، سيدفع المواطن المُعْوِزُ الثمن. كان رب العائلة التي رحلت من المُسرَّحين من عملهم ممَّن يعملون في الشركات الخاصة. وخلال جائحة كورونا، سرّحت أعداد هائلة من العُمانيين من وظائفهم، رغم أن الحكومة استحدثت حينها صندوقاً لمساعدتهم، سمّي "صندوق الحماية الاجتماعية". ولكن هذا الصندوق يبدو أنه لم يستطع أن يُغطّي مختلف الحاجات، في ظلّ ارتفاعٍ في أسعار المحروقات ومختلف المواد الاستهلاكية. كنتُ أسمع عن حوادث الحاجة الكبيرة التي غدا عليها المُسرَّحون من أعمالهم. من ذلك أن رجلاً اعتاد أن يشتري من دكّان ويدفع الثمن آجلاً. وبعد تسريحه من العمل، رفض صاحب الدكّان أن يعطيه مطلبه، فوجده شخص من معارفي يبكي جالساً على باب الدكّان، فأرسل في مجموعة في "واتساب" رسالة من أجل أن يجمع له مبلغاً. قد تكون معونات صناديق الزكاة وجمعيات العون حلّاً سريعاً، ولكنّه مؤقت. مثل هذه الحلول لن تضمن حياةً كريمةً دائمةً للناس، في ظلّ الغلاء وتفاقم متطلّبات المعيشة، إنما الحلول يجب أن تأخذ شكلاً جذرياً يتعلّق بتوفير العمل أو الدخل الدائم.
لا أحد ينكر أن الدولة تحاول، قدر الإمكان، إيجاد الحلول وتفعيل أدوات الدعم وتبني خطط يرفعها مجلس الشورى، والحثّ على المساهمة الفعّالة وتقليل الامتيازات التي كان يحصل عليها ذوو الدخل المرتفع. وكثير من الخدمات في عُمان شهدت تطوّرات ملحوظة، وتمتّعت قطاعات حيوية عديدة مثل الصحّة بالتحسين الملحوظ، واستُحدِثت قوانين إيجابية لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة وتعليمهم، وغيرها من تحوّلات إيجابية في العهد الحالي، وعلى مختلف القطاعات والمستويات. لكنْ، تظلّ مسألة المُسرَّحين من الشركات الخاصة، وأولئك الخرّيجين الباحثين عن عمل يؤمّن مستقبلهم، التحدّيَ الأكبر الذي تواجهه الدولة.
قد تكون هذه الحادثة التي هزّت المجتمع العُماني دافعاً إلى إيجاد حلول ستكشف عنها الأيام المقبلة.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي