مهنة المتاعب بين الارتهان والابتذال

مهنة المتاعب بين الارتهان والابتذال

17 يناير 2022
+ الخط -

البغاء وحفر القبور أقدم مهنتين عرفهما العالم منذ بزوغ البشرية، وما زالتا مستمرتين، على الرغم من كل التحوّلات التي طرأت على الحياة والعالم، واختفاء مهن عديدة بفعل التقدّم التكنولوجي، ربما لأنهما تجسّدان برمزيتهما فعل الحياة والموت. ويصح القول، بالتالي، إن المهنة الثالثة بامتياز هي الصحافة التي بدأت بإيجاد أول تواصل وصلات بين البشر بنشر الأحداث والوقائع اليومية ونقل أخبار الناس، وتحديدا ما يجمع بين أول مهنتين وما يفرّقهما، إلا أنها امتازت عنهما باعطاء معنى جديد ونبيل للحياة، يتخطّى الفعل الغرائزي، ويخاطب العقل باستعمال الكلمة لتظهير قدرة الإنسان على التفكير والتعبير عن فكرة ورأي وموقف، ثم تطوّرت صعودا أداة للدفاع عن حرية التعبير عن الرأي والموقف. ويعود الفضل أولا في نشأتها إلى الحضارة اليونانية، إذ كانت السلطة آنذاك تعلق منشوراتٍ على الجدران، تتضمن القرارات التي تتخذها الدولة لإيصالها إلى المواطنين، ثم ظهرت الصحف في عصر النهضة في أوروبا على شكل رسائل إخبارية مكتوبة باليد، ويتم تداولها بين التجار، ثم صدرت أول صحيفة مطبوعة في ألمانيا في القرن الخامس عشر، على شكل كرّاسات صغيرة، ونالت شهرة واسعة لأنها كانت تنشر مواضيع مثيرة. ومع اختراع المطبعة، بدأت تنتشر الصحف في أوروبا وأميركا، لتعمّ، في ما بعد، أنحاء العالم، وتتحول لاحقا إلى وسيلة للمعرفة، وأداة قيمة لنشر الأخبار والتواصل، وفتح العالم على بعضه، وفي الوقت عينه، إلى سلاح فتاك لكشف (وفضح) أفعال الحكام والمتسلطين الذين لم يهضموا أبدا الصحف ودورها، فتحولت العلاقة إلى صراع شبه دائم يجسّد العلاقة بين الحرية والاستبداد، وبالأخص في ظل الأنظمة الشمولية، الديكتاتورية والقمعية، وتحديدا العسكرية منها التي سادت في بلداننا عقودا باسم التحرّر والقومية وفلسطين، ونشأت معها صحفها الناطقة باسمها او باسم أحزابها بمسمّيات عدة، مثل "الثورة" و"العروبة" و"القدس" و"البعث" و"تشرين" وغيرها الكثير. وقابلتها، بطبيعة الحال، صحف وأقلام حرّة وجريئة أغنت المهنة، وخاضت معارك شرسة من أجل حرية التعبير والدفاع عن قضايا الناس، ولم يكن دورها سهلا على الإطلاق، إذ كانت أول خطوة يقوم بها الحاكم أو السلطة هي وقف صدور الصحيفة، أو إحالتها على المحاكمة.

كان كاتب الرأي أو التعليق يجمع بين الجرأة والرصانة والمسؤولية بعيدا عن المهاترات والابتزاز والشتم والكلام البذيء

مع مرور الزمن، استحقت الصحافة لقب السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، التشريعية والتنفيذية والقضائية. وهذا ما ساهم في بلدانٍ عديدة في بلورة صحافة حرّة وجريئة ومسؤولة، وأدّى إلى إيجاد منافسة صحية في كيفية متابعة الحدث وصناعته، وفي بلورة الأقلام والكتّاب، ما أدّى إلى تطور الصحافة ورفع من شأنها، وصقل المهنة وأساليبها ورفع من مستواها وحرفيتها. وكانت مسألة التحقق من الخبر ومن مصادره قبل تبنّيه ونشره هي من ألف باء الصحافة. وكان كاتب الرأي أو التعليق يجمع بين الجرأة والرصانة والمسؤولية بعيدا عن المهاترات والابتزاز والشتم والكلام البذيء. وكان المواطن يشعر بشيء من الارتياح وبنوع من حصانة وقوة دفع معنوية تثير عنده الرغبة في قراءة الصحف والإقبال على شرائها بشكل يومي، وتجعل منه، بالتالي، شريكا في الشأن العام.
كانت الصحف تصنع رأيا عاما وتقضّ مضاجع الحكام. وهناك عشرات الأمثلة عن دور الصحافة والصحافيين الكتاب في مقارعة السلطة وكشف عوراتها وتجاوزاتها، ما كان يدفع السلطة إلى الكشف عن وجهها القبيح وطبيعتها القمعية، كما حصل مع صحيفة السفير البيروتية التي أوقفت عن الصدور أسبوعا عام 1993، لنشرها وثائق تتعلق بالمفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية، أو اعتقال الصحافي كاتب المقال المزعج، أو حتى اعتقال صاحب الصحيفة نفسه، عندما تم توقيف غسان تويني صاحب صحيفة النهار عام 1973 لمعارضته الشرسة سياسة الرئيس سليمان فرنجيه، وكذلك رئيس التحرير الشاعر أنسي الحاج، علما أن تويني كان وزيرا في أول حكومة في عهد فرنجيه، وغيرها من إجراءات تعسفية كثيرة بحق الصحافة والصحافيين. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت الصحافة المكتوبة والحرّة مزعجة، إلى درجة أن السلطة السورية للبنان مثلا لجأت في الثمانينيات إلى اغتيال عدد من الصحافيين، أمثال نقيب الصحافة رياض طه ورئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية عربية في تلك الحقبة وصاحبها سليم اللوزي. وإذا كانت ثورات "الربيع العربي" لم تنجح في إحداث التغيير المنشود في الواقع السياسي والبنيوي العربي، وفي أنظمة الحكم، فإنها فرضت على الأقل مناخا من الحرية جعل الصحافة تتمتع بمساحة من الحركة والقدرة في التعبير عن نفسها بصحف متعدّدة ومتنوعة في بلدان مثل تونس والجزائر، أو سابقا في العراق، ما مهد لحراك سياسي وإيجاد رأي عام ضاغط ما زال يتفاعل.

ابتعد القرّاء والناس عموماً عن الصحافة المكتوبة، لأنهم باتوا يفضلون "الوجبات الجاهزة" التي تولفها وتقدّمها المواقع الإلكترونية

ومع دخول الصحافة عصر التكنولوجيا، أو الأصح اقتحام التكنولوجيا عالم الصحافة، والثورة التي أحدثتها مهنيا وتقنيا وبشريا، كانت أولى مضاعفاتها تحجيم الصحافة الورقية المكتوبة التي شارفت، في بعض الحالات وفي بعض البلدان، على الانقراض، وفتح الباب واسعا أمام ما اصطلح على تسميتها وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح لكل شخص "صحيفته"، وراحت المواقع الإلكترونية تفرخ في كل مكان، وتنبت كالفطر كيفما كان ولأيٍّ كان، وراجت بدعة كسر احتكار المعرفة وحق أي فرد في الوصول الى المعلومات وتعميمها من دون قيد أو شرط، خصوصا وأن العالم أصبح كما يقال "قرية واحدة".
ومن دون التوقف مطولا عند المضاعفات السلبية التي أحدثتها "الثورة الرقمية" على واقع الصحافة الورقية وطبيعة عملها ومقاربتها للأحداث والقضايا، ومن تراجع للمستوى المهني وشحّ في القدرات، فإن ما يلفت، بشكل أساسي، هو ابتعاد القرّاء والناس عموما عن الصحافة المكتوبة، لأنها باتت تفضل "الوجبات الجاهزة" التي تولفها وتقدّمها المواقع الإلكترونية حسب الرغبات والأذواق بقالب سريع ومختصر، يوفر على المهتم عناء التفكير والتركيز وإضاعة الوقت، لأن كل ما يحتاجه أو يرغب في معرفته أو الاطلاع عليه أصبح أمامه وفي جيبه وعلى هاتفه المحمول. وهذا النمط في أسلوب الحياة اليومية، القائم على السرعة والاختصار والسباق مع الوقت، يجعله يرضى ويكتفي بأي شيء يقدّم له، بغض النظر عن نوع المادة ومضمونها، أو المعلومة وصحتها وقيمتها الثقافية أو العلمية، ما يجعله عرضة لقبول أي شيء، وتبنّي أي فكرة، مهما كانت مبتذلة أو تافهة.

أسلوب ركيك وفقير لغويا ينتهجه أصحاب "الصحافة الجاهزة"، على الرغم من الغنى في المبنى والمعنى وفي المفردات الذي تتمتع به اللغة العربية

في المقابل، تجهّز المواقع والمنابر الإلكترونية التي حلت اليوم محل الصحف الورقية، بمحرّريها الذين هم أقرب إلى كتبة أو روبوهات، تجهّز لكل مريد ما يريد، ولكل موقف أو حالة عدتها، مطلقةً على الشبكة العنكبوتية ببضعة أسطر وببضع دقائق خبرا من دون التحقق من صحته ومصدره، لا بل يكون الموقع هو نفسه "صانع" الخبر، ومن شأن هذا السلوك أن يشوّه حقائق، ويسيء لأشخاص أو يحدث أزمة سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية. كما أن الموقع ذاته مستعد لإطلاق خبرية أخرى "غب الطلب"، بعد 24 ساعة، أو حتى بعد ساعات فقط، تناقض التي سبقتها، تلبية لرغبة المتضرّر أو المغدق بنعمه. ناهيك عن الأسلوب الركيك والفقير لغويا الذي ينتهجه أصحاب هذه "الصحافة الجاهزة"، على الرغم من الغنى في المبنى والمعنى وفي المفردات الذي تتمتع به اللغة العربية، إلى درجة أنه يتم أحيانا تسخير أحد المواقع منصّة للتسريب ودس أخبار ملفقة بغرض الإساءة وبألفاظ بذيئة لطرف أو لشخص، أو على العكس، لتسويق جهة أو طرف سياسي أو مقتدر. والأمران بالنسبة للمالك أو المسؤول عن هذه الصحيفة الإلكترونية أو تلك أو ذاك الموقع سيان، من دون أن يقام أي اعتبار للجانب القيمي أو الأخلاقي أو حتى المهني وما يرتكب من إساءات للمهنة وللمعرفة، وللعام والخاص، وباتت مهنة الصحافة يتنازعها الارتزاق والابتذال!