مهما علا الثغاء

22 فبراير 2021
الصورة

(سعد يكن)

+ الخط -

تملّك المرأة الحزينة رعب شديد، بعد أن تيقنت أنها لم تعد قادرة على البكاء. اعتقدت، في بادئ الأمر، أنه عارضٌ عابرٌ سرعان ما يزول، كونه لا يشبه تكوينها النفسي شديد الرهافة، مفرط الحساسية، وهي المعروفة برقّة قلبها، وسرعة تأثرها، وصعوبة سيطرتها على دموعها السخية التي تنهمر بسهولة في المواقف المحزنة، حتى إنها لا تتمالك نفسها إزاء مشهد درامي حزين في فيلم، فتبكي مثل طفلة، من دون أي إحساس بالحرج، لأنها كانت ترى في القدرة على التعبير عن مشاعر الحزن بصدق وعفوية نوعا من الجرأة، كما أنها تعبر عن شخصيةٍ مباشرةٍ واضحة، لا تعرف المداهنة والرياء والمواربة. لم تحاول، في أي موقف، كبت دموعها، ولم تعتبرها يوما دلالة ضعف، بل على العكس تماما، فقد ردّدت دائما أن الدموع وسيلة الروح في التخفّف من وطأة الأحزان. ولطالما أثار استغرابها نموذج من البشر قادرين على ضبط أنفسهم، والتحكّم بمشاعرهم، وإبداء قدر كبير من التماسك في أكثر المواقف مأساوية. وهذا ما يفسر حالة الرعب الشديدة التي انتابتها، لأنها أدركت أنها أصبحت واحدة منهم. يأتيها خبر وفاة شخصٍ كان قريبا منها يوما ما، يسيطر عليها الأسى واللوعة، لكن الدموع تستعصي، على الرغم من كل المحاولات لاستدرارها، علها تزيح عن روحها ذلك الإحساس الفظيع بالتحجّر، تستدعي ذكريات ومواقف وأحداثا وحوارات وأصواتا وروائح، غير أن ذلك كله لا يجدي معها نفعا.
تقضي ليلةً بأكملها محدّقة بالفراغ، مثل تمثال قدّ من صخر، يخطر ببالها الاستعانة بطبيبٍ ما. .. لكن ماذا ستقول له؟ أنقذني، أيها الطبيب، لم أعد قادرة على البكاء؟! والسؤال الأهم: أي أخصائي بالضبط عليها أن تراجع، طبيب عيون مثلا، يجري فحوصا دقيقة لقنواتها الدمعية التي ضربها الجفاف؟ أم عليها اللجوء لطبيب أعصاب يبحث في أسباب هدوئها المثيرة للقلق؟ ربما طبيب نفسي هو الأنسب يتيح لها الفضفضة عن أحزانها المتراكمة، قبل أن يكتب لها أقراصا مضادّة للكآبة.
تُرى، كم منا مرّ بحالة تلك السيدة التي فقدت روحها، وتبلدت مشاعرها. ولماذا يحدث لنا ذلك؟ هل هو اعتياد الأحزان الذي يتغذّى على أرواحنا عبر السنين، ويحيلنا إلى كائنات يائسة مستسلمة، فاقدة القدرة على ارتكاب الفرح، والتشبث بحبل الأمل القصير محدود الأثر؟ هل هو النضج الذي يجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها، خالية من أكسسوارات الأوهام؟ هل هو الانصياع لشرط الوجود القاسي والمجحف، حيث "خلق الإنسان في كبد"، من حيث المبدأ؟ هل هو الإقرار بالعجز والهزيمة وفقدان الرغبة في المقاومة التي بلا جدوى؟ هل هو ضياع اليقين واندثار الشغف والخسارات المتتالية التي تحيق بنا من كل صوب، أم لعله ببساطة التعب من ملاحقة سراب الفرح الموعود الذي يتلاشى ويتبدّد كلما اقتربنا منه أكثر؟ أي مأزق هذا أن نتطلع إلى الغد بعين الريبة! نتساءل بتوجّس عما يخبئه لنا من فواجع، لا نقوى على مقارعتها سوى بتحييد المشاعر. ومن باب حماية الذات، نلجأ إلى إطفاء زر الاكتراث بكل شيء وسيلةً وحيدةً للتصدّي لنوائب الدهر، فلا نرفع من سقف توقعاتنا، تجنبا للخيبة الحتمية الكبرى، المتربصة بنا في نهاية الطريق، حيث فراق الأحبة وانهيار الأحلام، أي مخلوق بائس هو الإنسان المبتلى بالوعي والشك والأسئلة الكبرى؟
المفارقة المثيرة للغيظ أننا، وبعد ذلك كله، نتشبث بالحياة، بكل ما أوتينا من قوة على البقاء، في استجابة بلهاء لغريزةٍ بهيميةٍ، لا نختلف فيها عن حال شلية (مجموعة) خراف محشورة قيد الذبح في زريبة خانقة، يفتح بابها في أي لحظة كي يختار الجزّار ذبيحةً ما يجرّها من قرنيها. تدق حوافرها هنيهةً بالأرض، في فعل مقاومةٍ مضحكٍ يائس، فيما تنزوي بقية الخراف حزينةً على جنسها، متوهمةً النجاة، حيث لا نجاة مهما علا الثغاء وصخُب!