مهرجان جرش... رؤية مازن العرموطي
الشعار الذي اختير للدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، والتي تكتمل غداً، "إرثٌ يمتدّ... أجيالٌ تلتقي"، يُثنى عليه. وجيّدٌ منه أنه يناسب منطوق هذه المقالة، تذكير أجيالٍ أردنيةٍ وعربيةٍ بأن هذا المهرجان أحرز سمعته العربية والدولية بجهودٍ كبرى لمؤسّسيه ومَن قاموا على إنجاحه في دوراته الأولى. ولمّا كان من اللياقة وجوب إعطاء كل صاحب سهمٍ حقّه، فإن تخصيص هذه السطور لصاحب سهمٍ مقدَّرٍ من بين أولئك، أول مدير للمهرجان، ومن قلائل مأسسوه وخطّطوا له وانطلقوا به وارتقوا به، مازن العرموطي، لا يعني تقليلاً من جهود مَن تعاقبوا على مسؤولياته. ويُؤمل أن يُعرّف الراهنون الذين يقومون على شؤونه الجمهورَ العام بتلك البدايات التي كانت مشحونةً بتطلّعات نخبةٍ أردنيةٍ على جدارة، في صياغة الرؤى والمنظورات الثقافية والفنية، عندما أشعلوا فكرة تنظيم مهرجانٍ ينهض على التنوّع والجمال والإبداع، ويقدّم إبداعات الأردنيين وفنونهم بالتوازي مع إبداعاتٍ وفنونٍ عربيةٍ ومن كل العالم. وإذ مضت 46 عاماً على تلك اللبنات (توقّف المهرجان بضع سنوات)، فإن جريان هذه العقود لا يُجيز أن يُغفَل عن أهمية ما يجري التشديد عليه هنا، سيّما وأن حديثنا، نحن الأردنيين، صار كثيراً عن سردية بلدنا وقيامته ومساره. والأكاديمي والدبلوماسي والإعلامي، مازن العرموطي، واحدٌ من سُراةٍ ساهموا، بمقدار، في هذا المسار، فهو أيضاً مؤسّس أول دائرة أكاديمية لتدريس الصحافة والإعلام في جامعة أردنية، ومؤسّس المعهد الدبلوماسي الأردني.
... إذا قال واحدٌ إنّ صاحب هذه السطور أحد طلاب العرموطي في الجامعة، ويمسح له جوخاً هنا، فهذا شأنه، لكن أستاذنا تشهد له عطاءاتُه، ونزاهتُه، وجدّيتُه، وخبرتُه، ولا حاجة له بتقريظٍ نافل، ولكن الوفاء قيمةٌ عليا، ومن المناقبيّة أن يُصان اسم مازن العرموطي من التناسي. وإذ المقام هنا مهرجان جرش، فالمدعوُّ، في هذه السانحة، أن يُقرأ ما دوّنه الرجل عن التأسيس وإدارة أولى دوراته الخمس، في كتابه "محطّات ألوان الطيف..." (تقديم نبيل حدّاد 2022) الذي لم تتيسّر للجمهور العريض قراءته، لمحدودية طبعته الفاخرة، والمؤمل أن تصدُر طبعةٌ لجمهرة القرّاء.
من بين كثيرٍ، مفيدٍ وشائق وموثّق، يوردٌه العرموطي عن تولّيه، في تلك السنوات الخمس (1980- 1985)، إدارة المهرجان، أنه كان فيها متطوّعاً، ولم يتقاض أي بدَلاتٍ أو رواتب أو مكافآت، وكان يستعمل سيارته الخاصة. ويقول "... وحذا طلابي في الصحافة والإعلام [في جامعة اليرموك] حذوي، حيث انخرطوا في مختلف جوانب المهرجان متطوّعين، باستثناء فترات إقامة المهرجان، حيث كنّا نصرف لهم ساندويشات فلافل خلال العمل". وثمّة طيباتٌ كثيراتٌ في الصفحات (251– 288)، عن المهرجان الذي كان من تنظيم جامعة اليرموك وإشرافها (يحسن تذكيرٌ بدور رئيسها آنذاك عدنان بدران)، أن صاحبنا لم يستحسن قولاً في لجنة أولى تشكّلت، وكان من أعضائها، بعد طرح الملكة نور فكرة مهرجانٍ ثقافيٍّ فني، أن يكون كما مهرجان بعلبك، بل إنه لم يتحمّس في البداية لأن يكون المهرجان في جرش، ذلك أنّ "الرمزية الرومانية/ اليونانية أمرٌ لا ينبغي أن نؤكّده أو نفخرَ به، لأنها تجسّد استعمار الرومان واليونان الأوروبيين الدخلاء واستعباد أهل البلاد وتسخيرهم لبناء تلك الصروح والمسارح التي كانت في واقع الأمر مرافق للترفيه والتسلية الساديّة التي تناسب العقلية الأوروبية الاستعمارية شديدة القسوة...". ومن المفارقة أن العرموطي لا يرى هذه الآثار والمدرّجات والمسارح مجالاً للتفاخر أو المباهاة، بل "هي شواهدُ خزيٍ من زمن استعماري قاتم". ويجهر بأساه البالغ من محاولاتٍ حثيثةٍ جرت لتكريس البعد التاريخي الروماني/ اليوناني للمهرجان، بما في ذلك ارتداء موظفي الاستقبال أزياء رومانية/ يونانية، أو حتى تقديم عروض مبتذلة لمبارزات باللباس الروماني.
يسرُد العرموطي تفاصيل غزيرة، لها قيمتها الثقافية، عن تلك السنوات، منها مشاركة فيروز في المهرجان، بعد أن جرى إخراجُها من بيروت بمروحيّة، ومنها التهديد بالاعتداء على مدير المهرجان، "من باب أن المهرجان مناقضٌ لقيم المجتمع ومفسدةٌ كبرى"، فطُلب من العرموطي ترحيل أفراد عائلته، وتغيير نمط تنقّلاته، وخُصّص حارسان له من الأمن العسكري، مع سيارة مرافقةٍ دائمة، واستمرّ ذلك الحال شهراً. ...
بانتظار أن يصدُر كتاب مازن العرموطي في طبعةٍ أخرى فتنكتب عنه وقفةٌ أوْفى، ما سيق أعلاه اختصّ بواحدةٍ فقط من مشاعِل أستاذنا، مهرجان جرش ودوراته الخمس الأولى... وكانت بديعةً حقّاً.