مهرجان الهستيريا العالمي

07 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

المشاهد التي تنقلها وكالات الأنباء مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية، لتغطية انتخابات الرئاسة الأميركية، توحي أنها في إحدى دول العالم الثالث المحكومة بحكم عسكري، أو بنظام استبدادي يستخدم مؤسسات الدولة لصالحه، ولا مانع لديه من انهيار البلد في سبيل بقائه، شهدنا كثيرا من هذه المشاهد في العقود الماضية، في بلادنا، ونحن نتطلع بحسد إلى الغرب، وإلى الدول ذات الأنظمة الديمقراطية، إلى دول العالم الأول المتقدم، ولدينا حلم وحيد: أن نصبح مثل هذه الدول، وأن نعيش، نحن الشعوب، بالسلام والطمأنينة التي تعيش بها شعوب تلك الدول. وأن يكون لنا رؤساء جمهوريات يتبدّلون، ويتركون مناصبهم بعمليات ديمقراطية، من دون ثورات ومن دون عنف ومن دون مطالباتٍ شعبيةٍ قد تتحول في لحظةٍ إلى جحيم، ومن دون إعلام مرتبط بالأجهزة الأمنية يدافع عن النظام ويشوه صورة معارضيه. حلمنا أن يكون لدينا دول تحترم الديمقراطية، أنظمة وشعوبا، وتعتبر أن المسؤول مجرد موظف، لديه مهمة ومسؤوليات جسيمة، وأنه قد يُحاسب إن أخطأ أو أفسد، وأنه ليس مندوبا من رب العالمين ليحكم الأرض إلى الأبد، وليس حتما نبيا لديه أتباع مستعدون لقطع رقاب من تسوّل لهم أنفسهم عدم الإعجاب به.

غير أنه، لسوء الحظ، المشاهد من قلب الولايات المتحدة، الدبابات والمصفحات في الشوارع، التهديد العلني من أتباع الرئيس الحالي دونالد ترامب، المظاهرات العنيفة وتكسير زجاج المحلات والمنازل والسيارات احتجاجا على ما يسميه أتباعه استمرارا في عد أصوات يجب أن ينتهي مباشرة، صراع حاد بين الجمهوريين المناصرين لترامب والديمقراطيين المناصرين لمنافسه جو بايدن، (على الأقل، وعلى الرغم من كل شيء، هناك مرشحان يتنافسان على الرئاسة، وما يحدث ليس استفتاء على رئيس أبدي)، إنه انقسام في وسائل الإعلام، وإنْ كانت تميل في معظمها لصالح بايدن، السيناتور الديمقراطي القادم من عالم السياسة، لا من عالم المال والبيزنس الذي كان بمثابة باراشوت أنزل ترامب إلى الرئاسة، في سابقة يأمل أميركيون أن لا تتكرّر: أن يأتي أحد إلى الرئاسة من خارج عالم السياسة، فما بالك بعالم المال الذي يرى أصحابه أن العالم ربح وخسارة مادية، في ذهنيةٍ لا تخرج عن ذهنية إدارة الشركات الرأسمالية الكبرى، وهو ما مثله ترامب بدقة وبأمانة، خلال سنوات حكمه الأربع الماضية.

خلال كتابة هذه السطور، تميل النتائج إلى جو بايدن، وفي انتظار ظهور الدخان الأبيض يعيش العالم كله في ترقبٍ يضع الولايات المتحدة في مقدمة العالم، وهي الميزة التي احتفظت بها منذ سقوط المعسكر الاشتراكي وحل الاتحاد السوفييتي ثم سقوط جدار برلين، أي منذ انهيار الحلف الوحيد المنافس، عسكريا وسياسيا واقتصاديا للولايات المتحدة. السياسة الأميركية تملك مفتاح سياسة العالم، هذا ما يتضح دائما، وإلا لما انشغل العالم كله بأخبار انتخابات الرئاسة هناك. وسنكون واهمين إن اعتقدنا أن ثمة شيئا يحدث في عالم السياسة الدولي لا يتم بعلم مسبق من مؤسسات السياسة الأميركية، إنْ لم تكن هذه المؤسسات هي المحرك أصلا للحدث. 

ولكن ماذا بخصوص حكام عرب ومؤيديهم إذا نجح بايدن، هل سيسمون أيتام ترامب، بعد أن استطاع إذلالهم إلى أقصى حد، سواء بالأوامر أو بالتصريحات العلنية أو المكتوبة كتغريدات على "تويتر"، وهل وقوف بعض الإعلام العربي مع ترامب سوف ينقذ صورتهم من الإذلال، حتى لو حصلت معجزة ونجح ترامب؟! ربما من الصعب فهم هذا التأييد له، على الرغم من عنصريته ضد العرب وضد الأفارقة وضد اللاتين وضد الهنود، وعلى الرغم من شعبويته الفجة والوقحة، وعنجهيته أميركيا أبيض (كاوبوي)، وعلى الرغم مما أنتجته سياساته من كوراث، خصوصا ما يتعلق منها بالتغير المناخي وفيروس كورونا. من الصعب أيضا فهم نفسية مؤيديه في الداخل الأميركي، فإن كانت شعبويته تدغدغ عنجهية التفوق الأبيض الأميركي لكثيرين ممن يملكونها من الأميركيين، فإن من المستغرب أن يحظى رئيس مثله بدعم أميركيين، عرب (مسيحيين ومسلمين) واللاتينيين وبعض الأفارقة ومهاجرين من الدول الشمولية، وهو واضح الرأي بخصوص معاداته المهاجرين وعنصريته تجاههم! 

على الرغم من أن ترامب هو أسوأ ما واجه العالم في السنوات الأربع الماضية إلا أني أراه مناسبا جدا للسوء الحاصل في كوكب البشرية، كل هذه الكراهية والقتل والموت والحروب والعنصرية والتعصب والكوارث البشرية والطبيعية، كلها تشعرك أن ترامب "ستايل" يمشي كنجم على السجادة الحمراء في مهرجان الهستيريا العالمي الذي نتابعه حتى في مناماتنا، في انتظار أن يعلن أحد نهايته، ويسحب السجادة من تحت أقدام نجومها.