مهاجرون عالقون بين الابتزاز والعداء

مهاجرون عالقون بين الابتزاز والعداء

25 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يتكدّس آلاف المهاجرين في أيامنا هذه على الحدود البيلاروسية البولندية، أملاً في أن يجتازوها ويتابعوا طريقهم باتجاه دول أوروبا الغربية، لكنهم يواجهون مختلف الموانع والحواجز، وحتى العنف المفرط وإطلاق الرصاص، منعاً لدخولهم أراضي بولندا، وباتوا محاصرين وعالقين على الحدود. لا تريد لهم سلطات بيلاروسيا البقاء على أراضيها، على الرغم من أنها سهّلت وصولهم إليها ونقلتهم إلى الحدود، وفي المقابل، لا تسمح لهم السلطات البولندية بالعبور إلى أراضيها، فنشرت آلاف الجنود، ونصبت أسلاكاً شائكة كي تمنعهم من اجتياز حدودها.

وتحولت مسألة التدفق الجماعي للمهاجرين باتجاه الحدود البيلاروسية البولندية إلى أزمة سياسية حادّة بين بولندا ومعها الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا، مدعومة من روسيا الاتحادية، حيث اعتبر مسؤولون أوروبيون أنها عملية منظمة ومقصودة، يُستخدم فيها المهاجرون سلاحا للنيل من استقرار دول الاتحاد الأوروبي، ومن دون الأخذ في الاعتبار معاناة المهاجرين وأوضاعهم الإنسانية، ويقودها رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، بوصفها جزءاً من "نهج غير إنساني على غرار نهج العصابات الذي يتبعه لوكاشينكو"، وأنها تأتي ردًا انتقاميا من العقوبات التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي على بيلاروسيا في يونيو/ حزيران 2021، على خلفية "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في بيلاروسيا"، التي قام بها نظام لوكاشينكو بحق المتظاهرين الذين خرجوا إلى ساحات العاصمة مينسك وشوارعها احتجاجاً على فوزه في الانتخابات المزوّرة التي جرت في أغسطس/ آب 2020. وبالتالي، يريد لوكاشينكو توظيف مسألة المهاجرين واستغلالها لابتزاز الاتحاد الأوروبي، بغية رفع العقوبات المفروضة وفك عزلته من خلال الجلوس معه على طاولة الحوار. ووصل به الأمر إلى حدّ التهديد بقطع إمدادات الغاز الروسي إلى دول أوروبا، في حال فرضها عقوبات جديدة عليه بسبب الأزمة.

توجهت أصابع الاتهام الأوروبية، أيضاً، نحو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوصفه اللاعب الأساسي وراء هذه الأزمة، حيث سارعت المستشارة الألمانية، المنتهية ولايتها، أنغيلا ميركل، إلى الاتصال مع بوتين، وطلبت منه التدخل عند لوكاشينكو، بينما اعتبرت وزيرة الخارجية البريطانية إليزابيث تراس أن الكرملين يتحمل مسؤولية أزمة المهاجرين على الحدود البولونية البيلاروسية، وطالبت بوتين بالضغط على حليفه وصديقه لوكاشينكو لوضع حد للأزمة.

ينكر ساسة الكرملين أي دور لهم في الأزمة، ويدعون الاتحاد الأوروبي إلى معالجتها مع بيلاروسيا بالطريقة نفسها التي اتبعها مع تركيا

والواقع أن ساسة الكرملين سبق وأن استخدموا المهاجرين وطالبي اللجوء ورقة في مواجهتهم ضد دول الاتحاد الأوروبي في أكثر من مناسبة، عبر تسهيل عبورهم إلى فنلندا، لكن فنلندا تمكّنت من الاتفاق مع روسيا على إغلاق الطريق الواصل بينهما، ثم تدفق المهاجرون على طول حدود بيلاروسيا مع ليتوانيا ولاتفيا في أغسطس/ آب الماضي، وأعلنت ليتوانيا حالة الطوارئ لمنع دخول اللاجئين إلى أراضيها، وبعدها قام نظام لوكاشينكو بتحويل جموع من المهاجرين إلى الحدود مع بولندا التي يبلغ طولها 271 كيلومتراً، حيث ذكرت تقارير عديدة أن نظام لوكاشينكو استقدم المهاجرين إلى أراضيه وشجعهم، ولم يكتف بذلك، بل أظهرت تسجيلات مصوّرة أنه استخدم عناصر من قواته وأجهزة أمنه من أجل دفع المهاجرين ونقلهم إلى الحدود البولندية.

وهذه ليست المرّة الأولى التي يجري فيها استغلال معاناة البشر، أطفالاً ونساء ورجالا، واستخدام حياتهم كسلعة للمتاجرة أو كسلاح في الحروب والصراعات والأزمات الدولية والإقليمية. ولعل الحلقة الأضعف في عالمنا الراهن هم المهاجرون وطالبو اللجوء، الهاربون من بلدان الحروب والكوارث والأزمات في كل من سورية والعراق واليمن وأفغانستان وسواها، حيث تستغل أنظمة سياسية عديدة ورقة اللاجئين والمهاجرين الهاربين من أوضاعهم الكارثية التي لا تُطاق في بلدانهم. وقد وجد نظام لوكاشينكو، ومن خلفه نظام بوتين، ما يستغله في معاناة المهاجرين الحالمين بالخلاص من أوضاعهم المأساوية في تلك الدول، وراح يستخدمهم وقوداً في مواجهته مع الدول الغربية التي لم تلتفت بدورها إلى الجانبين، الإنساني والحقوقي، لمسألة المهاجرين وطالبي اللجوء، ولا إلى الأسباب التي دفعتهم إلى المغامرة بحيواتهم، وتعاملت معهم بوصفهم خطراً يهدّد استقرارها، وعدوّاً يجب التغلب عليه ودحره، فيما لم يخفِ مسؤولون أوروبيون تفضيلهم موت المهاجرين على أن يسمح لهم بدخول دول أوروبا الغربية، فضلاً عن العنف المنظّم الذي تستخدمه أجهزة بعض هذه الدول بغية طرد المهاجرين، وأزهقت أرواح عدد منهم على حدود بولندا التي تعاملت معهم كأنهم غزاة يهددون باجتياحها.

الحلقة الأضعف في عالمنا الراهن هم المهاجرون وطالبو اللجوء، الهاربون من بلدان الحروب والكوارث والأزمات

وينكر ساسة الكرملين أي دور لهم في الأزمة، ويدعون الاتحاد الأوروبي إلى معالجتها مع بيلاروسيا بالطريقة نفسها التي اتبعها مع تركيا، من خلال التفاهم والحوار مع لوكاشينكو، كما يرفضون تحميل لوكاشينكو أي مسؤولية عنها. وبالنسبة إليهم، تتحمل أوروبا المسؤولية كاملة، وهو ما ذهب إليه بوتين في إرجاعه أسباب الأزمة إلى السياسات العسكرية والاقتصادية لدول أوروبا. ونفى في المقابل عن لوكاشينكو أي مسؤولية عنها، وتلاقى ذلك مع رد الخارجية الروسية على وزيرة الدفاع البريطانية التي حمّلت بريطانيا مسؤولية تهجير العراقيين، من خلال مساعدتها العسكرية الولايات المتحدة في غزو العراق عام 2003، لكنها لم تتحدّث عن مسؤولية روسيا في تهجير ملايين السوريين وتدمير أماكن سكناهم وعيشهم من خلال تدخلها العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد في حربه ضد غالبية السوريين. كما لم تذكر دور نظام الأسد وقوى سياسية عراقية، بالتواطؤ مع سفارتي بلاروسيا وقنصلياتها في البلدين، في دفع سوريين وعراقيين إلى الهجرة وتسهيلها، بمنحهم تأشيرات الدخول إلى بيلاروسيا، إلى جانب تسيير رحلات منظمة من دمشق وبغداد إلى العاصمة البيلاروسية مينسك.

وإذا كان كل من بوتين ولوكاشينكو قد وجدا في المهاجرين وطالبي اللجوء وسيلةً للمواجهة مع أوروبا التي أوصدت أبوابها أمامهم، إلا أن كلا الطرفين أسهم في تحويلهم إلى عالقين على الحدود ومحاصرين، يتقاذفهم صقيع أوروبا وبردها، فضلاً عن الجوع والألم، وليس حلاً أن تُفتح الحدود أمامهم أو توصَد، إنما الحل في إنهاء الحروب والأزمات في البلدان التي يهرب منها البشر، ويتحمّلون شتّى أنواع العذاب والشقاء من أجل الخلاص منها بأي ثمن.