من يعيد إليّ ذراعَي أمي؟
ستكتشف أنك بحاجة إلى سنوات طويلة تُضاف إلى عامين من الإبادة، لكي تُحصي المآسي التي خلّفتها الحرب في كل ركنٍ، وفي كل زاويةٍ من غزّة المنكوبة، ولكي تعدّ أوجاع الناس البؤساء الذين لا يزال الأمل يداعب قلوبهم بأن هناك من سيعيد لهم جزءاً من أحلامهم التي فقدوها.
وإن كان الفقد كبيراً، إلا أن الحلم يبقى صغيراً أمامه. وهذا ما نراه مع ضحايا من نوعٍ آخر؛ ليسوا الأموات قطعاً الذين غيّبهم التراب، ولا المفقودين والعالقين تحت الأنقاض، ولا الأسرى في غياهب السّجون، بل أولئك الذين فقدوا أطرافاً أو عضواً من أعضائهم، وأصبحوا عالةً على الآخرين، وفقدوا أقل حقوقهم، وصار أبسط ما كانوا يفعلونه أمنيةً بعيدة المنال.
تقتلك صورة الأم العشرينية التي تتّشح بالسّواد، ولا يخفى حزنها الذي يغطّي ملامح وجهها الشّاحب، وهي تتحدّث عن أمنيتها في تركيب ذراعين صناعيّتين، بدلاً من ذراعيها اللتين بُترتا قبل عام، وتحديداً في يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، حين كانت تحتضن طفلتها الصّغيرة البريئة بين ذراعيها وتطوّقها بهما، وكأنّها تحميها من كل هذا الموت حولها. لكنّها لم تكن تعرف أن ذراعيها، في النهاية، من لحمٍ ودمٍ وعظام، ولا يمكن أن تكونا سترةً واقية أو سدّاً من فولاذ.
احتضنت الأم طفلتها بكلّ قوّةٍ حين سمعت صوت القذائف التي تُطلَق نحو بيوت الجيران، ولم تكن تعرف أن القذيفة الخامسة ستتجه نحوها مباشرةً، فتغيب عن الوعي، وتُلقي بطفلتها من بين يديها إلى مكانٍ بعيد، وكأنها كرةٌ صغيرة ركلها طفلٌ عابث. وهكذا مضت أيامٌ ثقيلة، وهي لا تعرف سوى إحساس الألم، حتى أدركت أنها فقدت ذراعيها الاثنتين حتى المرفقين. وقد فعل الأطباء ذلك من أجل إنقاذ حياتها. ولم تعبأ تلك الأم الشّابة بالحروق البشعة التي أصابت أجزاء من جسدها، فشوّهت جماله، وقد صُنّفت حروقاً من الدرجة الثالثة، يصعب علاجها، خصوصاً في غزّة، حيث أصبح العلاج البسيط أمنية. ومع ذلك، لم تهتم هذه الأم بما لحق بها، وظلّت تعاني من إصاباتٍ بليغةٍ أخرى أيضاً، لكنها كانت تبكي بحرقةٍ، وتشعر بالألم لعِظم مصابها في فقدانها قدرتها على احتضان طفلتها.
كانت الأم نِبال تحلم، مثل كل الذين فقدوا أطرافهم وأجزاء أخرى من أجسادهم في غزّة، نتيجةً الحرب المدمّرة التي خلّفت، بعد عامين من دوران رحاها بين البشر، أكثر من أربعة آلاف شخص مبتوري الأعضاء. وقد أكّد المكتب الأممي لتنسيق الشؤون الإنسانية في قطاع غزّة أن هذه المنطقة المنكوبة تضم أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، علاوةً على كبار السّن والبالغين الذين فقدوا أحد أطرافهم، أو إحدى العينين أو كلتيهما.
تُعدّ مأساة فقدان الأطراف المأساة الأكبر التي تنتج عن الحروب عبر التاريخ، وما يحدُث في قطاع غزّة من عدم توفّر الأمل بالسفر خارج القطاع لزرع الأعضاء البديلة أو الأطراف الذكية (كما يُطلق عليها)، رغم تطور العلم كثيراً في هذا المجال ومنحه الفرصة لفاقدي أطرافهم لمواجهة الحياة من جديد بدلاً من أن يظلّوا عالةً على الآخرين. ولكن فرص خروج أمثال هذه الأم منعدمة، وهي التي تُعدّ أكبر أمانيها أن تحتضن طفلتها التي حمتها بذراعين لم تصمدا أمام آلة الموت، لكنهما منحتا الحياة لتلك الطفلة التي تنظر بإشفاقٍ ورجاءٍ نحو أمها التي أصبحت أمّاً ناقصة.
تعبّر هذه الأم الشابة عن يأسها من أن تصبح لها ذراعان صناعيتان تضمّ بهما طفلتها إلى صدرها، وتقول إنها سمعت مراراً أُمنياتٍ من حولها بأنهم كانوا يفضّلون موتها على أن تعيش هكذا، وهي تؤيّدهم الرأي. وربما نفعل نحن ذلك، حين نعبّر عن مأساتها بعيون عجزنا، ونستدرك صمت العالم على جرائم متتالية لا تتوقّف إسرائيل عن ارتكابها.