من يعرقل المصالحة الليبية؟

من يعرقل المصالحة الليبية؟

29 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

انعقد مؤتمر برلين الثاني المتعلق بالوضع الليبي، بمشاركة ممثلين رفيعي المستوى من 16 دولة وأربع منظمات أممية، والهدف المعلن دعم حكومة الوحدة الوطنية الليبية التي تحظى بشرعية دولية، وتسعى إلى تنظيم انتخابات مبكرة قبل نهاية هذا العام (2021). كان واضحا في البيان الختامي للمؤتمر استمرار الدعم لحكومة عبد الحميد الدبيبة، ولكنه لم يكن حازما بما يكفي لإدانة الأطراف التي تعرقل جهود حكومة الوحدة الوطنية لإنجاز ما جاءت من أجله. ومن الطبيعي أن لا يشير البيان بإصبع الاتهام إلى الطرف الذي يتصرّف خارج إطار المصالحة الوطنية الليبية، ففي ظل حضور دولة الإمارات، الداعم الرئيسي للواء المتمرد، خليفة حفتر، بالإضافة إلى مصر وفرنسا، اللتين تزودانه بالسلاح، وانتهاء بوجود روسيا التي تورّد المرتزقة لصالحه، لم يكن من المنتظر أكثر مما عبر عنه البيان في المادة 31، التي دعت إلى "احتكار الدولة استخدام القوة بشكل مشروع". وتأكيد المؤتمر دعمه "الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية في مجال الأمن القومي والشرطة والمؤسسة العسكرية، تحت سلطة ورقابة المجلس الرئاسي المؤقت وحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة".

كل مراقب للمشهد الليبي الحالي يدرك أن مليشيات حفتر هي التي تمنع الحكومة الشرعية من بسط سيطرتها على المناطق الشرقية والجنوبية

لم يكن خافيا أن مطالبة رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، بما أسماه "ردع المعرقلين"، كانت تتعلق، أولا وأساسا، بالدور السلبي الذي يقوم به خليفة حفتر ومليشياته في الساحة الليبية، فمنذ انطلاق مسيرة المصالحة الوطنية، وتشكيل حكومة الوحدة، كان واضحا بحثه عن دور في تشكيل المشهد السياسي المقبل. وليست المشكلة في سعيه المحموم إلى فرض وجوده السياسي، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها مع الدولة، ثم في محاولته فرض أمر واقع يحاول تكريسه، وبشكل مضادّ لتوجهات المصالحة الوطنية، فكل مراقب للمشهد الليبي الحالي يدرك أن مليشيات خليفة حفتر هي التي تمنع الحكومة الشرعية من بسط سيطرتها على المناطق الشرقية والجنوبية للبلاد، وهو أمر تجلى حتى في أبسط مظاهر النفوذ السياسي للحكومة الجديدة، أعني ما جرى من منع حكومة الدبيبة من الاجتماع في مدينة بنغازي التي يتصرّف فيها حفتر باعتبارها منطقة نفوذ آلت إليه، بوصفه واحدا من أمراء الحرب الأهلية الليبية.
ويتجاوز السلوك المعطل للمصالحة الوطنية مجرّد السيطرة على مواقع جغرافية، لتتحول أخيرا إلى سياسة توتير الأوضاع في المحيط الإقليمي، عبر تهديد حفتر الجزائر. وعلى الرغم من إدراك الجميع أن هذه التصريحات الجوفاء لا تغير معادلات القوة بين الجيش الجزائري في مواجهة مليشيات حفتر، خصوصا وأن الأخير قد اعتاد على إطلاق مثل هذه التهديدات باتجاه الجزائر وتونس منذ 2016، إلا أن هذا لا ينفي أنها جاءت في وقتٍ تحاول فيه الدولة الليبية تجميع شتاتها، وإعادة بناء علاقاتها مع جيرانها، والتأسيس لمرحلة جديدة تمهيدا لإعادة الإعمار.

مشكلة ليبيا الحقيقية تحولها إلى بؤرة نزاع دولي، ومطامع قوى إقليمية، تحاول اقتطاع أكبر ما يمكن من المصالح على حساب الشعب الليبي

لم يتبق في عمر حكومة الوحدة الوطنية إلا ستة أشهر، لكن العراقيل القائمة ما زالت تعطّل سيرها لإنجاز المهمة المنوطة بها، وما زال مجلس النواب الذي يتزعمه عقيلة صالح يرفض إقرار موازنة الدولة التي من خلالها يمكن للحكومة تخصيص ميزانيةٍ لمفوضية الانتخابات، للشروع في التحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، فيما يعجز المجلس الأعلى للدولة عن الحسم في استكمال الاتفاق على توزيع المناصب السيادية، وفي مقدمتها منصب محافظ البنك المركزي، ما لم يتم قبلها توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية. وهنا يظهر الدور المعرقل الذي يقوم به خليفة حفتر، بوصفه الرافض توحيد المؤسسة العسكرية، بل ويريد أن يفرض مليشياته بوصفها الجيش الوطني للدولة، وهو القائد العام لهذا الجيش، بما يفقد المصالحة الوطنية معناها، ويجعل من حكومة الوحدة الوطنية مجرّد كيان شكلي لا أهمية له، خصوصا وأن تمسّك حفتر بسلوكه المناهض للمصالحة الوطنية يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر، أي إلى مرحلة ما قبل حكومة الوحدة الوطنية، وعودة لغة النزاع عبر فوهات البنادق بين المليشيات المختلفة، وربما كانت هذه هي الغاية غير المعلنة التي يسعى إليها خليفة حفتر.
مشكلة ليبيا الحقيقية تحولها إلى بؤرة نزاع دولي، ومطامع قوى إقليمية، تحاول اقتطاع أكبر ما يمكن من المصالح على حساب الشعب الليبي، وهي توظف، في سبيل هذه الغاية، مليشيات وشخصيات محلية، هي أدوات لتوتير الوضع الليبي الداخلي، وأحيانا لاستفزاز جيران ليبيا ذاتها، وهو ما يفترض أن يتم العمل أولا على إيجاد نوع من التوافق بين هذه القوى الدولية من جهة، والأهم من هذا أن تُضحّي القوى الوطنية الليبية في هذه المرحلة من أجل إنجاح الفترة الانتقالية، وعزل الأطراف التي تعرقل المسار، لأن استقرار ليبيا يتجاوز مجرّد تحقيق الأمن للشعب الذي أرهقته النزاعات، ليكون مدخلا لاستقرار دولي، نظرا إلى التأثير الاستراتيجي للوضع الليبي على ضفتي المتوسط.