من يتذكّر هشام جنينة؟

من يتذكّر هشام جنينة؟

28 يناير 2022
+ الخط -

ثلاث سنوات وتسعة أشهر مضت على إيداع المسؤول الأول عن مكافحة الفساد في مصر السجن، بتهمة إصدار تقارير رسمية والإدلاء بتصريحات عن حجم هذا الفساد.

في 24 أبريل/ نيسان 2018، دانت محكمة عسكرية مصرية المستشار ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، هشام جنينة، بالسجن خمس سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، على أثر حوار أجراه معه صحافي شاب، تم اعتقاله وحبسه هو الآخر، تضمّن معلوماتٍ وتصريحاتٍ وآراء على لسان المستشار جنينة، منها ما يتعلق بالفساد المالي،  وأخرى بشأن امتلاك رئيس أركان الجيش الأسبق، الفريق سامي عنان، وثائق عن أحداث ثورة 25  يناير (2011) وما تلاها، ترقى إلى كونها أدلة إدانة للمتورّطين  في قتل الثوار

في ذلك الوقت، كان رئيس أركان الجيش المصري السابق، الفريق سامي عنان، قد أعلن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية ضد عبد الفتاح السيسي، من خلال تشكيل فريق على رأسه المستشار جنينة، نائبًا للرئيس حال فوزهم بالانتخابات.

أطاح السيسي بالفريق عنان بتوجيه ضربة ساحقة من القضاء العسكري، وضعته قيد التحفظ والإقامة الجبرية، ثم استدار لينتقم من نائب عنان المحتمل، هشام جنينة، على مجمل أعماله، وهي العملية الانتقامية الممتدّة التي بدأت بإقالته من منصبه رئيسًا لجهاز المحاسبات، بقرار من السيسي تطلب تفصيل قانون مخالف للدستور، أُطلق عليه "قانون جنينة"، ثم طال جنون الانتقام ابنة المستشار جنينة، شروق بفصلها من وظيفتها في هيئة النيابة الإدارية، ثم كانت ذروة الجنون في الاعتداء على هشام جنينة وعائلته في أثناء توجهه إلى قاعة المحكمة بالقاهرة الجديدة للطعن على قرار إقالته في 27 يناير/ كانون ثاني 2018، ففي ذلك اليوم، هاجم ثلاثة من البلطجية المستشار هشام جنينه، بالأسلحة البيضاء، فأصيب بجرح غائر  في وجهه، وكسر في قدمه، وتمّ اقتياده إلى قسم الشرطة ليجد نفسه متهمًا بالاعتداء على "المواطنين الشرفاء"، الاسم المعتمد للبلطجية الذين يستخدمهم النظام في البطش بالمعارضين، فتنشر صحف النظام خبرًا موّحدًا يقول "بلاغ يتهم هشام جنينة وزوجته وابنته بالتعدّي على مواطنين في القاهرة الجديدة".

بعد بضعة أشهر من هذه المهزلة، وجد هشام جنينة نفسه أمام القضاء العسكري، عقب حديث صحافي، ليصدر الحكم بسجنه خمس سنوات مع النفاذ، يتبقى منها عام وعدّة أشهر، وسط حالة صمت عام، لم يقطعها سوى بعض أصوات شاحبة طالبت بالعفو عنه بعد انقضاء نصف العقوبة في العام الماضي.

سجناء ومعتقلون سياسيون دخلوا الحبس وخرجوا بقرارات عفو رئاسي طوال تلك الفترة، لكن هذا العفو لم يعرف طريقه أبدًا إلى اثنين من أصدق محاربي الفساد وأشهرهم في مصر، أولهما المستشار جنينة، والثاني المهندس يحيى حسين عبد الهادي، صاحب المعارك الطاحنة ضد الفساد الحكومي منذ زمن حسني مبارك.

هذا أمر منطقي للغاية، بالنظر إلى أن النظام الحالي لا يسمح بوجود أصوات ترتفع بالاحتجاج، أو حتى المناقشة، على عملية تجفيف وطن وتعبئته في أنبوب محكم الغلق اسمه "اقتصاد الجيش"، وهي العملية التي كان أحدث فصولها نقل تبعية 37 جزيرة في مناطق مميزة بقلب نهر النيل للقوات المسلحة، وما سبقها وما يتلوها من عمليات هدم وإزالة لأحياء سكنية كاملة، وتهجير سكانها.

الحرب على هشام جنينة بدأت 2016 مع كلامه عن حجم تكلفة الفساد داخل المؤسّسات المصرية، موضحًا أنه من خلال التقارير الرقابية التي يشرف عليها أعضاء الجهاز المركزي للمحاسبات، يمكن القول إن الفساد عام 2015 تجاوز 600 مليار جنيه. وقد أحدث تقرير جنينة دويًا هائلًا، فصدر قرار إقالته سريعًا، مع حظر النيابة العامة نشره في وسائل الإعلام المصرية، فضلًا عن إتلاف جميع النسخ المأخوذة منه في الجهاز المركزي للمحاسبات، عقب إقالة جنينة مباشرة. في تلك الفترة، كانت مصر فعليًا واقعة تحت سلطة "ملكية عسكرية" على رأسها السيسي، وفي القلب منها الدوائر التي تهيمن عليها أجهزته الأمنية والمعلوماتية، التي باتت مهيمنة على الاقتصاد والسياسة  والإعلام وحتى الدراما.

جرى عزل هشام جنينة وسجنه، لأنه أدّى وظيفته في محاربة الفساد، والقاضي الذي تصدّى لجريمة التفريط في جزيرتي تيران وصنافير عزلوه من وظيفته، لأنه سبح ضد تيار الفساد، ثم بعد ذلك كله مطلوبٌ منك أن تصدق أن هذا النظام ضد الفساد.

حسنًا، ما عليك سوى أن تستأصل عقلك وتشعل النار في ضميرك لكي تصدّقهم.