من لَغْو الصيف

من لَغْو الصيف

22 يوليو 2021
الصورة

(جميل ملاعب)

+ الخط -

التقت حرارة صيف هذه السنة بحرارة (وقساوة) الموجة الجديدة من الوباء العالمي كوفيد 19، الذي تقترب دورته من إتمام سنتها الثانية، بكل ما خَلَّفَت من أوجاع وضحايا، وكشفت عن نقص وخصاص في البنيات التحتية الصحية لمختلف المجتمعات والقارّات، فقد أعلنت لجنة الطوارئ في منظمة الصحة العالمية أن الجهود الوطنية والإقليمية والعالمية التي بُذِلَت وتُبْذَل لم تستطع وضع حدّ للجائحة، إذ يُثير متحوّر دلتا في الموجة الثالثة كثيراً من القلق في العالم أجمع، بحكم خطورته وصعوبة السيطرة عليه. الأمر الذي يضاعف حرارة الصيف، ويعيد الأجواء الأولى للجائحة، أجواء الخوف التي صاحبت بداية انتشار العدوى وكل التداعيات الناتجة عنها.

تتزامن الموجة الجديدة مع موجة التلقيح التي تجرى بدرجاتٍ من الاختلاف في جميع أنحاء العالم، بحكم التفاوتات القائمة في مجال التسيير الصحي والاجتماعي بين المجتمعات، الأمر يخلِّف بالضرورة إمكانية توسيع انتقال الفيروس، ويعقِّد إمكانية السيطرة عليه. ومقابل ذلك، ما تزال بعض الظواهر المرتبطة بالجائحة وكيفيات تنظيم إجراءات محاصرتها تثير الجدل في بعض المجتمعات، من قَبِيل المظاهرات التي تعرفها في الآونة الأخيرة بعض المدن الفرنسية، من أجل طبٍّ متحرّرٍ واختيارات حرّة رافضة مقتضيات ما أصبح يُعْرَف بالجواز الصحي، حيث يكون في وسع المواطن اختيار ما يناسبه من العلاج بمحض إرادته، رافضاً أن تتحوّل الدولة، أزمنة الجوائح والأزمات الصحية، إلى أداةٍ لمزيد من الضبط والتنميط، فتضيف مظاهرات الصيف إلى أجواء الانقباض أشكالاً من الحرارة، على الرغم من توقيف العمل ببعض القيود التي صاحبت الوباء.

ترتيب الدول حسب معايير منظمة الصحة العالمية في خانات أ وب وج، ومنح بعضها ألواناً معينة، كالأخضر والأحمر والبرتقالي، ومنح كل خانةٍ أو لونٍ مواصفات محدَّدة، مرتبطة بدرجات انتشار الوباء وعدد الأشخاص المُلقَّحين، مع إقامة تمييزاتٍ تستند إلى معادلات حسابية مُعَقَّدة، في موضوعات التنقل والسفر، أنتجت معطياتٍ جديدةٍ مرتبطة بأدوار الدولة، كما ساهمت في رسم معادلات سياسية وصحية في المجتمع الدولي. وأمام مستجدّات التحوّل التي يعرفها الوباء، نتصوَّر أن نهاية الأزمة الصحية لم تعد منظورة، على الرغم من كل الجهود التي بُذلت في مستويات التدبير وإعداد اللقاح، وكذلك بناء آلياتٍ وإجراءاتٍ تتيح إمكانية التعايش ومحاصرة التوسع والانتشار.

يرفض بعضهم أن تتحوّل الدولة، أزمنة الجوائح والأزمات الصحية، إلى أداةٍ لمزيد من الضبط والتنميط

ليس كورونا وحده، وقد عَمَّر أشهراً وفتك بملايين الأرواح، من يملأ صيفنا باللَّغو وضيق التنفس والعزلة، بل يمارس الوضع العربي، الموبوء بكوارث وجوائح لا حصر لها، أشكالاً من الخنق والاحتباس لم نَعْهَد لها مثيلاً في تاريخنا القريب. ولعل ما يحدث اليوم في سورية وليبيا واليمن ولبنان والمغرب والجزائر وتونس والسودان يقدّم صوراً مخيفة على الانحدار التي بلغته الأحوال العربية، والعلاقات البينية، وما آل إليه الصراع الفلسطيني في موضوع الوحدة الوطنية والتحرير، وكذلك واقع المؤسسات العربية التي أنشئت لإدارة كوارثنا والتفكير في إمكانية تجاوزها.

لنقف لحظة أمام الأزمة المتصاعدة في لبنان، ونحن نقترب من ذكرى انفجار ميناء بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020، ذكرى اشتعال النار في قلب الميناء، زمن حَرّ الصيف وحَرّ الطوائف التي استمرّ رقصها وغناؤها على أرض لبنان. لا نفكر هنا في المسؤول عن الانفجار، ولا نفكر في الذين خزّنوا نترات الأمونيوم في الميناء، فالحكاية واضحة. وبعد مرور سنة على الفاجعة، يرسم الوضع اليوم في لبنان أمامنا، بالأبيض والأسود، صور عشرات الفواجع المتلاحقة في السهل والجبل، وأبرزها ما يجري اليوم أمام الجميع، حيث يواجه اللبنانيون النقص المرعب في أساسيات الحياة، الماء والكهرباء ومقتضيات الحد الأدنى من العيش الكريم. لا أفكر هنا أيضاً في السيناريوهات والمخارج ذات الصلة بمطلب تشكيل الحكومة، ومختلف الإجراءات المرتبطة بالتسيير السياسي لمختلف تجليات الأزمة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية الطارئة، فالأزمة اليوم تُراكم خيباتٍ ومآزق طَال أمدها، وتنتظر أن تواصل نخب الطوائف التفكير فيها بالآليات التي تنتمي إلى عقودٍ خلت. نكتشف أننا لم نتعلم بعد، على الرغم من أن الجميع على بيِّنة من أن الحرب الأهلية على الأبواب، وبجوارها تبرز ملامح تدخلات دُوَّلٍ تتحيّن بدورها الفرصة المناسبة، لتضع يدها على لبنان، فنصبح أمام لبنان الأسير وسورية الأسيرة واليمن وليبيا فيعمّ الأسر، وتتفرغ جامعة الدول العربية لمواجهة ما لا أحد يعرفه، ويتواصل الانحدار العربي.

يمارس الوضع العربي، الموبوء بكوارث وجوائح لا حصر لها، أشكالاً من الخنق والاحتباس لم نَعْهَد لها مثيلاً

الرمزية التاريخية التي يحملها لبنان في تاريخنا المعاصر هي ما يحفّز الكاتب هنا على الدعوة إلى التفكير في كل ما جرى ويجري في لبنان منذ منتصف السبعينيات. أعرف أن الأمر ليس قدراً، وأنه في كثير من أوجُهه محصلة خيارات وشروط عامة ترتبط به وتؤطره. وأعرف، في الآن نفسه، أنه لا ينبغي إضافة لبنان إلى العراق وسورية وليبيا، ولا يمكن تسهيل مهام من يتجهون إلى تركيب خرائط جديدة في البلدان العربية، بل ينبغي العمل، وبأقصى سرعة ممكنة، على توقيف مسلسل تفجير الأوضاع العربية، فقد ارتفعت درجات النزيف في عزّ الصيف في بلدان عربية كثيرة، مشرقاً ومغرباً.

نُعايِن بجانب الانهيار المتسارع في لبنان كثيراً من الصخب في العلاقات المغربية الجزائرية، ويتيح لنا تصفّح ما يُنشر يومياً في الإعلام الجزائري، وما يماثله في وسائط التواصل الاجتماعي في البلدين، الانتباه إلى أن درجات الحرارة ارتفعت بين الجارين، وأنها اليوم تفوق حرارة الصيف وضائقة كورونا، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مؤسسة اتحاد المغرب العربي التي تُلاحظ وتُعاين ما يجري أمامها، ولا تملك القدرة على وَقْف الصخب الذي تجاوز القواعد المعمول بها بين البلدين منذ عقود، مثلما تقف المؤسّسة أمام مشهد اتساع الوباء في تونس التي تواجه وحدها حرارة الصيف وحرارة كورونا وحرارة السجالات السياسية بين تنظيماتها، التي لم تستأنس بقواعد الاعتراف وآليات العمل الديمقراطي منذ ثورة 2011.