من قصر سالُو إلى جزيرة إبستين

03 فبراير 2026

محتجون في حملة "لا ملوك" ضد ترامب في أتلانتا بولاية جورجيا (18/10/2025 Getty)

+ الخط -

اليوم، ونحن نغوص في 3.5 ملايين صفحة من ملفات جيفري إبستين المنشورة الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، لا بدّ أن تسترجع الذاكرة فيلم "سالُو أو 120 يوماً من سدوم" (1975)، بوصفه مرآة مكسورة تعكس واقعاً أكثر رعباً: فاشية ليبرالية جديدة تحوّلُ الجزرَ الخاصّة والطائراتِ الفارهة إلى قلاعٍ للنُّخبة، تُستبدلُ فيها الدبّابات بالمحامين، والزي العسكري ببدلات شارع وول ستريت.
في آخر أعمال المخرج الإيطالي، بيير باولو بازوليني، قبل مقتله، نرى قصراً محصَّناً يتردَّد فيه صدى أنين الضحايا خلال ممارسة طقوسٍ سادية، إذ يقوم أربعة سادة يُمثِّلون الدولة برموزها كلّها (سياسي، ديني، قاضٍ، رجل أعمال) بتقسيم 120 يوماً إلى دوائر من الشهوة الجامحة، الدم المتدفِّق، القذارة المُقْتَرَفَة، والموت النهائيّ. بازوليني، الشاعر والمثقِّف اليساري الذي حذّر من جذور الفاشية في قلب الاستهلاك الإيطالي، لم يصوّر في "سالُو" تاريخاً لموسوليني (فحسب) مستوحى من رواية للماركيز دي ساد، إذ نقل الأحداث إلى جمهورية سالُو الفاشية الأخيرة (1943- 1945)، فيختطفُ أربعة رجال نافذين مجموعة من الصبايا والشباب، ويُحوّلون القصر إلى مختبر للشرِّ المطلق. الدوائر الأربعة: أناقة الشهوة، فرحة الدم، دائرة القذارة (حيث يُجبَر الضحايا على أكل البراز في مشهد يقطع الأنفاس)، ودائرة النار، ليست خيارات عشوائية، إنها جدولٌ زمني صارم يشبه المسرح الإغريقي أو الليتورجيا (الشعائر) الدينية. هنا، الفاشية كلاسيكية صريحة حيث السلطة دولة مرئية تُعلِنُ قوانينَها وتجبر الجميعَ على الطقس الجماعي، فارضة ومثبّتة هيمنتها عبر تشييء الجسد. الضحية ليست شخصاً، بل مادَّة خام لإثبات أن الدولة تملكُ كلَّ شيء، حتى المتعة الممنوعة. لقد صوّر بازوليني ذلك بشكل متطرّف لكي يفضح ويعلن أن الفاشية لن تموت مع موسوليني، هي ببساطة تتحوّل إلى آلة استهلاك تلتهم الأجسادَ تحت غطاء "التقدّم".
في حالة إبستين، يصبح قصر الدولة إمبراطوريَّة خاصّة. هناك جزيرة ليتلت سانت جيمس، وطائرة لوليتا إكسبريس، وشقّة نيويورك الفاخرة، وهذه كلّها فضاءات استثناء تُعلّق فيها الحدودُ القانونية وتُخرق. صحيح أن اللاعبين ليسوا مسؤولي دولة فقط، إنهم نخبة الليبرالية الجديدة: دونالد ترامب (الرئيس الحالي) في سجلاتِ الرحلاتِ واللقاءاتِ الاجتماعيَّة، بيل كلينتون مئات المرّاتِ في الرسائلِ والصوَر، إيلون ماسك في بريدٍ إلكتروني عن زيارة محتملة للجزيرة، بيل غيتس في علاقاتٍ مالية واجتماعية، الأمير أندرو في صورٍ تُظهره في وضعياتٍ مُخجلة، وسارة فيرغسون تطلب دعماً ماليّاً.
وتكشف الملفّاتُ الجديدة أعضاء الشبكة الجهنّمية: غيسلين ماكسويل المغوية الرئيسة، جان لوك برونيل وآخرون مجنّدون، ورسائل "إف بي آي" التي تشير إلى عشرة متآمرين آخرين. إلا أن الضحايا، وهنّ في الغالب قاصرات، فلا يُصطدن ويُوقع بهن بالقوة، بل يُغرين بعقود عمل، أو بفُرص تعليمية، ثم يُدمجن في هرم الاستغلال الجنسي بوصفهن "خدمة" تُقدَّم إلى النُّخبة. إنها فاشيّة السُّوق حيث لا حاجة لدولة، فالسلطة متوفّرة في الامتياز الخاص، الحماية القضائية، والإفلات من العقاب. لقد حذّر بازوليني مِنْ فاشية الاستهلاك حيث يصبح الجسد مادّة للبيع والالتهام، في حين ثبّته إبستين جاعلاً رأسمالية النُّخبة تحوّل القاصرات سلعة، والفضيحة أداة لتبييض الأخلاق وشراء الضمائر.
في "سالُو"، المشهد سينمائي متخيّل في تطرّفه، ليجبر المُشاهد على مواجهة المشهد/ العنف لا بوصفه متعة، بل دليل هيمنة وإخضاع، والفاشية بوصفها نظاماً لتقديس شرّ مطلق. أَمّا فِي تغطيات ملفّات إِبستين، فالمشهد إعلامي بامتياز، إذ تصنع كل "دفعة" جديدة حدثاً "تيكتوكياً": صور الأمير أندرو على أربع، رحلات كلينتون، رسائل إيلون ماسك، كلّها سلع رقمية تغذّي الخوارزميات والصراعات السياسية. الجنس يباع فضيحة، العنفُ مؤامرة (وجود تنقيحات)، فيما تفقد البنية قدرتها على النقد والمحاسبة. بازوليني يُغلق الباب منعاً للفرار، الإعلام يفتحه ليمارس أقصى التشويش.
قُتِلَ المخرج والشاعر الإيطالي قَبْل نصف قرن، لكنّ فيلمه "سالُو" يظلّ نبوءة، فالفاشية ليست زيّاً عسكرياً فقط، إنها آلة تلتهم أجساد الضعفاء والفقراء تحت مسمّى "الحرية"، وإبستين هو نموذجها الحديث الذي لا يحتاج إلى دبّابات وأسلحة، وإنما إلى جزر خاصّة وجيش من المتآمرين والمحامين.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"