من فينا الأسير؟

من فينا الأسير؟

10 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

إبداعات المقاوم الفلسطيني داخل سجون الاحتلال الصهيوني تجعل وصف هؤلاء المبدعين بالأسرى مسألة بحاجة لإعادة نظر، ذلك أن الأسير أو السجين هو الشخص الذي صودرت حريته، وتم حبسه داخل جدران العجز والخوف وقلة الحيلة، بينما هؤلاء الذين نسمّيهم أسرى قد فعلوا العكس، ووضعوا عدوهم وعدونا، ووضعونا، نحن المتفرّجين، في زنازين الصدمة والدهشة والشعور بالعجز أمام معجزتهم.

ليست المعجزة في القدرة على حفر نفق للخروج بواسطة ملعقة صدئة، بل هي في الاحتفاظ بذلك الشعور، واليقين، بأنهم أقوى من عدوهم، ليس لأنهم مخلوقات أسطورية القدرة، بل لأنهم أصحاب قضية عادلة ومحترمة، والحقّ دائمًا أقوى من الخوف والاستسلام للعجز.

فعلها المقاومون الفلسطينيون النبلاء، وحبسوا الكل في زنزانة الأسئلة والذهول، حبسوا السجان المحتل في صدمة انهيار وهم القوة التي لا تقهر، وحبسوا الذي لا يحب أن يرى مقاومة من الأساس في لوثة تشكيكه في القصة برمتها، لكنهم قبل كل ذلك وضعونا أمام السؤال الكبير: من الأسير ؟

هل الأسير هو من يحتفظ بحرية الحلم ويقين الحق، حتى لو كان مقيدًا في جبٍّ عميق؟ أم أنه ذلك الذي يحيا في البراح، بل في الفراغ الهائل، مقيدًا ومسلسلًا في مجموعة من الأوهام المسبوكة بعناية فائقة بحيث تجعله لا يغادر تلك المساحة الهادئة، الساكنة حد الموات، التي تسمى نعمة الاستقرار، أو الاستلقاء، أو الاسترخاء، متفرجًا على ما يحدث له، وحوله؟.

من هؤلاء عشرات الملايين من العرب تم أسرهم على يد أنظمتهم في سراديب اليقين الاصطناعي بأنه ليس في مقدور المواطن العربي الاحتفاظ بأحلامه القديمة المشروعة، مثل الحلم بالانتصار على العدو الذي سرق منه فلسطين .. هؤلاء أسرى وهم السلام المدنّس، بين القاتل والمقتول، بين اللص والضحية، ومن ثم تم حشر هذه الملايين من الجماهير في كهوف مظلمة لا يرون فيها إلا ما يعرضه صاحب السلطة والقوة أمامهم من صور وخيالات وضلالات، ممسكًا بعصا البطش والقهر والرعب حتى ينتهي الأمر بالمحبوسين في الكهف إلى الإقرار بأن ما يتجرعونه من أوهام هو الحقيقة والحق، بينما أحلامهم القديمة، المشروعة، هي الخيالات والباطل.

بل أن الحاكم، الطاغية، الذي يملأ الجماهير، عنوًة وكرهًا، بهذه الأوهام هو أيضًا أسير ارتباطه العضوي بذلك العدو الذي نجح في تصنيعه ووضعه في مكانه، حتى صار هذا المستبد سجين كهف آخر، يرى بداخله أن في مصادقة العدو ومحالفته السلامة، وفي مقاومته ومعاداته الفناء .. هذا الكهف يمكن أن تطلق عليه كهف أوهام التطبيع.

بهذا المعيار، يمكن اعتبار مجموعة الإسلاميين الذين تخلوا عن كل الأفكار والمبادئ والقيم والأحلام المشروعة، ظنًا منهم بأن في ذلك ما يضمن استمرارهم في السلطة، أو حول العرش، هم في الحقيقة أسرى وسجناء وهم البراغماتية السياسية، التي هي التعبير الأنيق المخادع للانتهازية والصفاقة في أجلى صورهما، كما حصل في الانتخابات المغربية أخيرا. وهناك كذلك من هو أسير حقول الغاز، يكاد يختنق مستسلمًا بسعادة لاستنشاق روائح المكسب، معطيًا ظهره لنداء المبدأ الذي لطالما تغنى به وترنم منتزعًا به آهات الإعجاب والتكبيرات والتهليلات.

على أن أسوأ أنواع الأسرى هو ذلك الذي يحبس نفسه في دائرة العجز، مدّعيًا أنه ليس بالإمكان سوى التخلص من كل شوق للانعتاق ومن كل نزعة للخلاص، وبالتالي لا مناص من التسليم بأنه لا حل ولا أمل في الحياة، إلا بالاستسلام للمستبد الأقوى، ثم التوقف التام عن نعته بالاستبداد، حتى ينتهي الأمر بتحوّل صاحب هذا الوهم إلى مجرّد خرقة بالية، يتم التخلص منها بعد الاستخدام.

أتخيّل لو أن ما يسمّى "الأسير" الفلسطيني استسلم لمنطق اللاجدوى من الوقوف في وجه عدو يمتلك مئات الرؤوس النووية، وعشرات من العروش الموزعة في عواصم عربية، وجيوشًا تبدلت عقيدتها فصارت ترى الانكماش أمام العدو  الحقيقي جنونًا، بينما التوسع في التجارة والبيزنس الاحتكاري، والتوحش في قمع كل صيحة أو هتاف ضد الطغيان، عين العقل .. تخيّل لو أن من نطلق عليهم "الأسرى" كانوا أسرى خوفهم وانتهازيتهم مثل كثيرين منا، هل كان من الممكن أن تعيش قضية فلسطين ناصعة ونقية في وجدان أجيالٍ ولدت لتجد كعب بندقية المحتل فوق وسادتها؟