من سِيَر فرسان السينما الفلسطينية

11 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

إن كانت حركة فتح، ديمومة الثورة الفلسطينية، قد أخفقت في تحرير فلسطين من أي بر إلى أي بحر، وانطفأ بركان "العاصفة"، شعلة الكفاح المسلح، قبل تحقيق أي نصر أو بعض نصر؛ وإن كانت فصائل اليسار الفلسطيني قد فشلت في تحرير الأرض أو الإنسان، فلا يجب إنكار إنجازات تحققت طوال المسير الثائر، منذ النكبة الأولى والنكسة الأولى، وصولاً إلى كارثة أوسلو وما تلاها من انهيار. كثيرة هي الإنجازات والإبداعات الثقافية والفكرية والفنية الخلاقة التي توهجت على ضفاف حركة التحرّر الوطني الفلسطيني، ولا سيما بعد نكسة حزيران/ يونيو 1967، وساهمت، بالكلمة والريشة والكاميرا، في حفظ الهوية الفلسطينية، وإيصال صوت الثورة إلى العالم. 

واحد من بواكير الإبداعات الفلسطينية التي أشرقت مع انطلاق أول طوابير الفدائيين، كان تأسيس "وحدة أفلام فلسطين" في العام 1968، بثلاثي من الشباب الفلسطيني، هم سلافة جاد الله (نابلس)، وهاني جوهرية (القدس)، ومصطفى أبو علي (المالحة)، وقد التقوا بدايةً في مبنى وزارة الإعلام الأردنية، أواخر 1966، قبل التحاقهم بعد عامين بحركة فتح، لتشكيل نواة أول مجموعة سينمائية تواكب انطلاق الثورة الفلسطينية، ولنحو عشرين سنة تالية. 

توثق خديجة حباشنة، في كتابها "فرسان السينما، سيرة وحدة أفلام فلسطين" (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2019)، سيرة فرسان عملوا بصمت، ورحلوا جنودا مجهولين، وقد جاهدوا في حياتهم ممتشقين كاميراتٍ ترصد كفاح الفلسطينيين وعذاباتهم وصمودهم وتوثقها، بؤس المخيمات وأمل العودة، رائحة الموت في كل مجزرة، وصورة الفدائي في كل خندق. تقول حباشنة إن الموضوع الحقيقي لكتابها هو تسجيل حياة رواد الفيلم الفلسطيني في أحلامهم الثورية وتضحياتهم الواسعة. ولتسجيل حيوات أبطال سينما عاشوا خلف الأضواء، توظف حباشنة تقنيات الرواية والشهادة، السرد والتوثيق، لرصد سنواتٍ، غير طويلة للأسف، من حياة فرسان قاتلوا بالكاميرا لكي لا يموت الفلسطيني مجهولاً، ولكي لا تذهب الثورة بلا ذاكرة.

عن بدايات تأسيس وحدة أفلام فلسطين، تعود بنا خديجة حباشنة إلى أول اللقاءات بين سلافة جادة الله، أول مصوّرة سينمائية فلسطينية بعد تخرجها من معهد السينما في القاهرة، وهاني جوهرية ومصطفى أبو علي بعد عودتهما، مع فارق زمني بسيط، من لندن، حيث درسا السينما. ثم ترصد لحظات انتقالهم من مبنى وزارة الإعلام الأردنية، والاهتمام بتصوير المناسبات الرسمية، إلى قواعد الثورة، لتوثيق العمليات الفدائية الأولى في استديوهات يقول عنها الشهيد هاني جوهرية (1939- 1976): "تحول مطبخ أحد البيوت إلى مكان للطبع والتحميض وللتصوير أيضا". وفي موضع آخر، يضيف مصطفى أبو علي (1940- 2009): "أواخر عام 1968، تأسست وحدة أفلام فلسطين التابعة لحركة فتح، وكانت أول وحدة سينمائية .. بدأت عملها في تصوير الأحداث الجماهيرية الثورية المرتبطة بالثورة الفلسطينية بعد معركة الكرامة". تنتقل الكاتبة، في صفحات كتابها، بأسلوب شائق، بين دفات موضوعٍ عاشته وعرفته عن قرب مع رفيق عمرها، مصطفى أبوعلي، فتكون في لحظة الشاهد والراوي، وفي مواقع أخرى، المؤرّخ والمدوّن لذاكرة متناثرة بين وثائق قليلة (بعضها صور رسائل بخط مصطفى أبوعلي للكاتبة)، وكثير من التاريخ الشفوي، يرويه أقارب الثلاثي فرسان وحدة أفلام فلسطين، وزملاؤهم ومعارفهم.

يضم كتاب خديجة حباشنة، في 250 صفحة، سجلاً توثيقياً نادراً لتاريخ الإنتاج السينمائي الذي أنتجته مختلف وحدات العمل السينمائي في مرحلة النضال الوطني الفلسطيني، من 1968 إلى خروج الثورة الفلسطينية من لبنان في 1982. كما يوثق الأسماء التي عملت في وحدة أفلام فلسطين، وصارت تعرف في ما بعد باسم "مؤسسة السينما الفلسطينية". الكتاب وثيقة إخلاص لشهداء قضوا حيواتهم في تسجيل حيوات آخرين وتوثيقها، بالعين والعدسة، ليبقى إرثهم المرئي الأثر الشاهد على تاريخ صاخب سجّلته عدسات الفرسان، سلافة وهاني ومصطفى، وآخرين، بدقة حاذقة.