من داخل غرفة الإنعاش

من داخل غرفة الإنعاش

29 مارس 2021
الصورة

(محمد المليحي)

+ الخط -

بثّت وزارة الصحة الأردنية مقطع فيديو مؤثّراً، أعدّ بتقنية عالية من داخل غرفة الإنعاش في أحد المستشفيات، وانتشر على مواقع التواصل بشكل واسع. أثار الفيديو لغطاً كبيراً في الشارع، بين مؤيد لنشر مثل هذا المحتوى الصادم ردعاً للمستهترين بخطورة تفشّي وباء كورونا وتوعية لغير الملتزمين بأبسط قواعد السلامة، ورافض ومندّد بتعميم مشاهد لحظات الموت الرهيبة، إذ ظهر أطباء يحاولون، بلا جدوى، إنعاش مريض يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيما ممرّضات وممرضون يغطّون جثة جديدة، خذلتها إرادة الحياة، فانضمت إلى أفواج الضحايا الذين فقدنا منهم كثيرين في الأيام الماضية، فصار الواحد منا يتردّد طويلاً، قبل أن يجول في "فيسبوك" خشية أن يفجع بنبأ رحيل عزيز.
قال الطبيب، بنبرة يائسة مرهقة حزينة، في مقطع الفيديو مثار الجدل، والذي بدأت خلفيته بصوت أجهزة طبية تعلن لحظة النهاية، إنّ الوضع في غاية الصعوبة والتعقيد، والكلمات لا تسعفه لوصف الوضع الراهن، لجهة تزايد الوفيات، وقلق الأهل غير القادرين على أن يكونوا موجودين قرب أحبتهم. تحدّث عن الحالة النفسية السيئة التي تصيب العاملين في القطاع الطبي، حين يفقدون مريضاً جديداً. وتحدّث، باللهجة المريرة، عن مدى الإرهاق الجسدي الذي يصيبهم على مدار الساعة في مواجهة هذا البلاء، وهم الأكثر تعرّضاً للعدوى، جرّاء تعاملهم المباشر مع المصابين. مشاهد كابوسية مرعبة، تضمنها الفيديو لمرضى مقيدين بأجهزة التنفس، في انتظار لحظة الخلاص. استند الرافضون إلى أنّ في ذلك انتهاكاً سافراً وفجاً لخصوصية المرضى، وترويعاً مبالغاً فيه للمواطنين. ويبدو أنّ الأجهزة المختصة وصلت إلى مرحلة اليأس من مقدار الاستهانة التي يبديها بعضهم، وتدلّ على جهل وتخلف، وعدم إحساس بالمسؤولية المجتمعية. يتجلى ذلك في مظاهر الازدحام الكثيف في الأسواق، قبيل يوم الجمعة، الذي فرضته الدولة حجْراً شاملاً ثبت عدم جدواه، إذ يسبقه تهافتٌ مثير للغيظ على شراء المواد الغذائية وتكديسها، من أجل أربع وعشرين ساعة. كذلك، تشهد شوارع العاصمة عمّان ازدحاماً مرورياً خانقاً في أيام السبت، في محاولة لتعويض يوم "الإقامة الجبرية".
في الأثناء، يثور نقاش كبير بشأن جدوى تلقي الطعوم، ويتبنّى كثيرون موقفاً متشدّداً مشكّكاً في جدواها، وقد "بشّر" اقتصادي من وزن ثقيل، معروف بتنبؤاته غير الدقيقة، وغير المستندة إلى أيّ إحصائيات أو حقائق علمية بنتائج كارثية ستظهرعلى متلقي اللقاح بعد ستة أشهر بحسب حدسه! وأفادت إحصائيات أردنية بأنّ عدد من تلقوا اللقاح لم يتجاوز المائة ألف شخص، وتعدّ هذه نسبة متدنيّة جداً قياساً بدول أخرى، لن تكون ذات أثر، ما لم يتزايد عدد المتلقين، وما لم يتوفر اللقاح لأكبر عدد من المواطنين. وتنتشر الإشاعات المحبطة المُغرضة عن صلاحية بعض اللقاحات المتوفرة، ما يزيد من حالة الهلع والترقب. ولا تعطي التصريحات الحكومية المتضاربة أيّ اطمئنان للمواطن المشغول بتدبير لقمة العيش التي عزّت على المتضررين في مصدر رزقهم.
خسرنا في الأردن، في الأيام العشرة الأخيرة، نحو ألف من خيرة بناتنا وأبنائنا، منهم طبيبات وأطباء خطفهم الموت مبكراً، اكتسحت صورهم المبتسمة مواقع التواصل، وهم يحتضنون شهادات التخرّج بفرح وأمل في مستقبل خذلهم، ما خلف في قلوب ذويهم الحسرة والأسى والغضب، من دون أن يُتاح لهم وداع أحبتهم، فصار الأردن دار عزاء كبيرة. فُجعت بيوت كثيرة، وخيم الحزن ضيفاً ثقيلاً، لا مناص من التعايش معه، وقدراً قاسياً أجهز على ما تبقى في جعبتنا من أمل ورجاء.