من القدس إلى العالم .. أسئلة ورسائل

من القدس إلى العالم .. أسئلة ورسائل

17 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

ليست معركة الصمود التي يخوضها شباب القدس وصباياها جديدة، إنّها جزء من سلسلة نضالات طويلة مستمرة منذ العام 1967، على الأقل. لكنّ الاستثمار السياسي لأطراف الصراع لم يكن دوماً في صالح هذه النضالات، فكثير من القوى التي دخلت على الخط عبر هذا التاريخ الطويل، والحافل بالهزائم الكبرى والانتصارات الجزئية البسيطة، كانت تسعى إلى خدمة مصالحها بالدرجة الأولى، ولتأكيد حضورها على الساحة الفلسطينية بالدرجة الثانية، باعتبار قضية فلسطين ليست كغيرها من القضايا الأخرى، إنّها قضيّة ذات أسهم مرتفعة القيمة، يمكن الاستثمار فيها بشكل مربح دوماً، وربّما كأفضل استثمار عند الأنظمة التي تحاول تصدير أزماتها واستبدادها بحق شعوبها خارج حدود بلادها.
لم تقتصر عمليات الاستثمار هذه على الأنظمة العربية شرقاً وغرباً، بل دخلت أنظمة إقليمية جديدة بعد الثورة الإسلامية في إيران، وتسلّم نظام الملالي مقاليد السلطة والحكم هناك. تكرّر الأمر بعد فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا. تعدّى الأمر مروحة الدول هذه ولم ينحصر فيها، بل اتّسع ليشمل تنظيماتٍ وأحزاباً ومليشيات أيضاً، بدءاً بحزب الله اللبناني وانتهاءً بالحوثيين في اليمن، مروراً بالمليشيات العراقية. وعلى الرغم من اختلاف المواقف والمصالح والأيديولوجيات والخلفيات بين الأطراف المتدخلة، فالقاسم المشترك بينها هو التكسّب سياسياً على حساب فلسطين وأهلها.

في مناطق سيطرة حركة حماس التي ترفع شعار المقاومة، ضمن اصطفافٍ لا تخفيه في حلف عريض تقوده إيران، لا نجد النضال عفوياً شعبياً عميقاً

لكنّ المثير للانتباه حقاً، أنّ نضالات الفلسطينيين تكون على أشدها في المناطق التي ينعدم فيها وجود السلطة الفلسطينية، فالمفارقة العجيبة التي يسجلها التاريخ لنا - نحن العرب - أنّه كلما وجدت قوى ومؤسسات ومنظمات، يفترض بها دعم نضالنا الوطني التحرّري، قلّت فاعلية هذا النضال، وكُبحت نشاطاته وقُيّدت حركته. حتى في مناطق سيطرة حركة حماس التي ترفع شعار المقاومة، ضمن اصطفافٍ لا تخفيه في حلف عريض تقوده إيران، لا نجد النضال عفوياً شعبياً عميقاً، كما نشاهده في القدس. يبدو أنّ الأيديولوجيا تقتل بريق الأشياء ولمعانها.
أسئلة كثيرة تثيرها صواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من غزّة باتجاه مدن فلسطين المحتلّة. من بينها بلا شكّ أسئلة الجدوى السياسية، وأسئلة المشروعية الوطنية، وأسئلة الأثمان المدفوعة من دماء الفلسطينيين وحيواتهم، وأسئلة التعاطف العالمي وتعمّق الانكشاف العنصري الصهيوني، وعشرات الأسئلة الجوهرية الأخرى.

هل يحتاج العالم أكثر من هذا الوضوح الصارخ عن معاناة شعبٍ سُلبت أرضه ومُنع حتى من حقّه في الصراخ وإظهار الألم؟

هل كانت وقفات صبايا القدس وشبابها، مصحوبة بالتغطية الإعلامية للقنوات والمجلات والجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي كافية وحدها لصناعة نصر، ولو جزئي، في هذه الحالة؟ هل يمكن للتظاهرات والوقفات الاحتجاجيّة التي ينظمها الفلسطينيون والعرب والمسلمون في مدن وعواصم أوروبا وأميركا أن تغيّر من مزاج الرأي العام العالمي؟ وهل لتغيّر هذا المزاج أثر في اصطفاف الحكومات الغربية المنحاز كليّة للرواية الصهيونية؟ وهل يمكن أن نلحظ تغيراً في الخطاب والمواقف الرسمية من حقوق الشعب الفلسطيني في هذه الدول؟ هل يحتاج العالم لأكثر من هذا الوضوح الصارخ عن معاناة شعبٍ سُلبت أرضه ومُنع حتى من حقّه في الصراخ وإظهار الألم؟ أو ليس للثمن الباهظ الذي تدفعه إسرائيل من هيبتها وسمعتها، وأمن منشآتها وسكانها واستقرار اقتصادها، كافياً للقبول بمبدأ الرد العسكري عبر صواريخ حركتي حماس والجهاد الإسلامي؟ ما مشروعيّة السؤال المنطلق من مبدأ سدّ الذرائع، والقائل بوجوب عدم إتاحة الفرصة لإيران بغسل يديها من دماء السوريين والعراقيين واليمنيين واللبنانيين في بحر فلسطين، وعلى مذبح عدالة قضيتها، وهل يتوقف الفلسطينيون عن المقاومة بحجّة منع غيرهم من أن يستغل مقاومتهم؟ هل يملك الغزّيّون خياراً آخر مثلاً، وهم قابعون حبيسي القطاع بلا أفق سياسي تحت سيطرة حكم الحزب الواحد، وهل يبقى للحياة من قيمة عندما يكون للموت طعمٌ أقلّ مرارة من طعم الحياة؟ ألم يحن الأوان للقيادات الفلسطينية في السلطة وفي منظمة التحرير أن تعيد النظر في حساباتها واستراتيجياتها؟ ألم تكتفِ بعدُ من ذلّ المهانة وانعدام جدوى الانبطاح والاستسلام والخنوع؟ هل ينتظر حكّام دول العرب أكثر من هذا ليتحرّك فيهم ما بقي من شرف وضمير، إن لم نقل ما تفرضه اعتبارات السياسة ومصالح الدول؟ ألم يكن لوقفة الفلسطينيين، ومن ساندهم من الشعوب العربية، وقع الصاعقة على المطبّلين والمزمرين من دعاة التطبيع والساعين إليه مهرولين، من دون أدنى كرامة أو خجل؟

العلاقة بين الشعوب أكبر من كل الخطابات والشعارات، إنّها علاقة وجود أو عدم وجود، أدركها الأطفال، كما الشباب والكهول

الحقيقة أنّ الشعوب قالت كلمتها، فالقدس ما زالت وستبقى مهوى أفئدة ملايين العرب. تعبّر الشعوب عن ذاتها وعن مواقفها من دون حسابات في القضايا الكبرى، لا ينتظر المحكومون هنا إذن الحاكم للتعاطف مع أبناء جلدتهم، فلم يكن بعيداً عن الشباب السوري في المدن الثائرة أن يرفعوا علم فلسطين، ولا بدّ أنّ الأردنيين والمصريين وبقيّة العرب من المشرق والمغرب فعلوا ذلك، كلّ على طريقته. كذلك لم يكن مفاجئاً لنا - نحن السوريين - من معشر الثورة، سماع صوت عبد الباسط الساروت يصدح في أسواق القدس العتيقة، ولم يكن غير منتظرٍ أن يرفع شباب فلسطين من باحات الأقصى علم الثورة السورية، ولا أن تتلحفه صبايا القدس الشريف. وليس هذا من باب واحدةٍ بأختها أو هذه بتلك، أبداً، فالعلاقة بين الشعوب أكبر من كل الخطابات والشعارات، إنّها علاقة وجود أو عدم وجود، أدركها الأطفال، كما الشباب والكهول.
لم يكن عبثاً أيضاً أن سلك حرس إيران الثوري وحزب الله طريق تحرير القدس من صنعاء إلى بغداد والموصل، مروراً بحلب وحمص ودمشق، وصولاً إلى بيروت، فحرثوا المدن والقرى بحرابهم شبراً شبراً من دون أن يصلوا إلى القدس. هم يدركون، كما ندرك نحن أيضاً، أنّ تحرير القدس يمرّ من كلّ العواصم والمدن والقرى العربية، لذلك كان حقدهم وهمجيتهم بلا حدود. ونحن ندرك ذلك جيداً، ولهذا وقف معنا - نحن السوريين - شباب المخيمات وصباياها من درعا إلى حندرات في حلب، مروراً بمخيمات اليرموك وفلسطين في دمشق، والرملة في اللاذقية، ومخيم حمص، وبقية المخيمات، كما وقف الفلسطينيون حيثما وُجدوا مع أشقائهم العرب في هذه العواصم السليبة. نحن، على الأقل، نعرف عمقنا الاستراتيجي، ونعرف أين نقف ساعة الحقيقة، بحثاً عن الحق ونصرة له.
لن يتوقّف أهل القدس، ولا بقية أهل فلسطين في الداخل وفي المهجر، عن النضال، على الرغم من هذا الاستثمار من الآخرين، فالقضية بالنسبة لهم هي قضية وجود أو لا وجود. كذلك لن تتوقف الشعوب العربية عن محاولاتها كسر القيد، فالجميع يدرك من هو العدو، وأين هو الطريق.