من العراق 1990 إلى السودان 2025

03 ديسمبر 2025
+ الخط -

لا شيء من المبالغة في القول إنّ أغسطس/ آب 1990 كان أحد التواريخ المفصلية في ما تلاه عربياً وأبعد من ديار العرب. غزو جيش صدام حسين الكويت جرى الرد عليه بالاستنجاد بأميركا والتحالف الدولي لإنقاذ ذلك البلد العربي الذي تعرّض للاحتلال، بدل أن ينشأ إجماع رسمي تلقائي بين العرب ليتولوا تحرير الكويت بأنفسهم. يومها، انقسم المسؤولون العرب بين من استعجل طلب النجدة من واشنطن، دول الخليج في المقدمة ومصر وسورية والمغرب، بينما سارع آخرون مثل الجزائر وتونس ومنظّمة التحرير وموريتانيا والسودان وليبيا إلى رفض الأمر، لا حرصاً على ضرورة قيام العرب ولا أحد غيرهم بالمهمة التاريخية لوضع حدّ لإجرام الطاغية العراقي وتحرير شعب عربي من احتلال عربي، بل إعجاباً من بعضهم بحاكم بغداد البعثية وبجريمته الشنيعة. ولعبثي أن يتخيّل مشهد معمر القذافي آنذاك يشاهد على التلفزيون الدبابات العراقية تجتاح الكويت وهو يتصوّر نفسه راكباً على ظهر آلية حربية فاتحاً أحد البلدان المجاورة للجماهيرية.

طلب النجدة ذاك كان سابقة في العلاقات العربية المليئة بالحروب والتخريب والدم. فصحيح أنّ عمر عدد كبير من القواعد العسكرية الأميركية في بلدان الخليج يعود إلى الثمانينيات وبعضها إلى السبعينيات، إلا أن توسيعها وتضخيم مهامها لم يحصلا إلا بعد حرب الخليج الثانية 1991. طلب العرب من أميركا تخليصهم من حاكم عربي، بدل أن ينبروا بأنفسهم لتلك المهمة، وضع عواصم المنطقة، خصوصاً في المشرق العربي والخليج، في الجيب الأميركي الصغير سياسياً وعسكرياً، وشرّع طرقات عريضة للقضاء على ما كان باقياً من الدولة العربية، لا الديمقراطية ولا العادلة، بل لفكرة الدولة بوصفها مؤسّسات وشيئاً من الهيبة في العلاقة مع الخارج خصوصاً.

بعد مرور 35 عاماً على ذلك الاستنجاد، يحصل شيء مشابه، لكن بدل أن يطلب العرب من واشنطن شنّ حرب على بلد عربي لإنقاذهم من خطره مثلما حصل مع عراق صدّام حسين، يطلب بلد عربي منها هذه المرّة إنهاء حرب أهلية في بلد عربي هو السودان، بدل أن يضع العرب ثقلهم لإيقافها بأنفسهم، بالوساطات والضغط وبعقد اتفاقات في ما بين المعنيين منهم بتلك الحرب أو بإرسال جيوشهم لفرض سلام بالقوة أو بالحسنى. يقول الخبر إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حمل إلى دونالد ترامب في واشنطن بين 17 و19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي رجاءً بإنهاء حرب السودان. وهل هناك هدية أكبر من هذه إلى ساكن البيت الأبيض المريض والشرير في آن ليزيد من غلّة مكاسبه السياسية والاقتصادية وليتفاخر بكل نرجسيته بأنّه سينظر في الطلب من دون يخبرنا أنه سيحصّل ثمن التجاوب نقداً؟ وهل هناك فشل أكبر من أن يطلب عرب من انتهازي بوزن ترامب أن يفرض رؤيته لوقف الحرب في بلد عربي، فتحدّد خطة مبعوثه مسعد بولس من يحق له البقاء في الجيش ومن يُسمح له بالمشاركة في الحكم بعد توقف المدافع ومن هو "الإخواني" ومن يكون المسلم الجيد والمسلم الرذيل، وكيف يحصل إصلاح القوات المسلحة على أساس مساواة الجنجويد بجيشٍ لا شك بأنه سيئ كل السوء، ولكن تستحيل مساواته بمليشيا قبلية لا يُذكر اسمها من دون ربطها بمجزرة وإبادة منذ 2003؟

دعم الإمارات وأتباعها وحلفائها في المنطقة كخليفة حفتر "الدعم السريع" ليس سرّاً، مثلما هو علني تأييد الرياض عبد الفتاح البرهان وحكومته والجيش الذي يقوده. والأكيد أنّ الأساس في حرب السودان شقّها الداخلي، أي أنها، قبل أي شيء آخر، حرب أهلية ــ قبلية محلية الصنع، وليست حرباً بالوكالة بين السعودية ومصر من جهة، والإمارات من جهة ثانية. لكنّ الثابت أن هذه البلدان الثلاثة، لو أرادت فعلاً إيقاف حرب السودان، لتمكّنت من فعل ذلك من دون أن ترجو الرئيس الأميركي.

ليس الطلب من ترامب حل مصائب بلدان عربية بالنيابة عن العرب أنفسهم، إلا دليلاً إضافياً على أن الجزء الأكبر من مجد الرئيس الأميركي يصنعه بفضل هزال الآخرين، لا بحنكة لا يملك منها شيئاً.

أرنست خوري
أرنست خوري
مدير تحرير صحيفة "العربي الجديد".