من الذي يناور، طهران أم واشنطن؟

من الذي يناور، طهران أم واشنطن؟

29 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

كل المعطيات والمؤشّرات والتصريحات منذ أسابيع، من هنا ومن هناك، تفيد أن موعد اليوم الاثنين، 29 نوفمبر/ تشرين الثاني، حاسم ومفصلي بالنسبة للتوصل إلى اتفاق، أو أقله إلى إعادة إطلاق المفاوضات المجمدة منذ خمسة أشهر بشأن الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة، بعد أن كان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب قد ألغى العمل بالاتفاق الذي وقعه سلفه باراك أوباما في يوليو/ تموز 2015. وكما أن الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة جو بايدن، تحثّ إيران على العودة إلى المفاوضات بدون شروط، فإن نظام الملالي نفسه، وعبر أكثر من مسؤول يبدي، أخيرا، رغبته العلنية في العودة إلى طاولة النووي في فيينا، وحرصه على إنجاح المفاوضات، بدءا من الرئيس الإيراني الجديد المتشدّد، إبراهيم رئيسي، وصاحب السجل الحافل بالإعدامات، مرورا بوزير الخارجية، حسين أمير عبد اللهيان، الذي وصفه التلفزيون الإيراني عند تعيينه بأنه "دبلوماسي مرموق لمحور المقاومة"، ويتمتع، بحسب وسائل إعلام إيرانية شبه رسمية، بعلاقات وثيقة مع حلفاء إيران في المنطقة، مثل النظام السوري الدموي وحزب الله المليشياوي خاطف الدولة في لبنان وفصائل ومليشيات عراقية موالية لإيران، وكان على علاقة وثيقة بقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي اغتيل في غارة أميركية في 3 يناير/ كانون الثاني 2020. كما أن اللافت في سيرة اللهيان، الذي يظهر كل إيجابية في العودة إلى المفاوضات، أنه كان يكتب مقالات في السياسة الخارجية وينشرها على الموقع الإلكتروني الخاص بالمرشد الأعلى، علي خامنئي، ويصفه أحد المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي بـ"دبلوماسي متشدّد ما يوحي أن طهران ستتبنّى نهجا متشدّدا للغاية في المفاوضات". وهذا ما أعلنه رئيسي عند انتخابه، قائلا إنه "يريد استعادة الاتفاق النووي كما كان عام 2015 ومقاومة الجهود الأميركية للتفاوض على اتفاقٍ أوسع، يهدف إلى الحد من نفوذ إيران في الشرق الأوسط". فيما يراهن مسؤولون ودبلوماسيون غربيون ("وول ستريت جورنال") في المقابل على أن عبد اللهيان "رجل براغماتي تعامل مع مسؤولين أميركيين من قبل، وكان أحد الدبلوماسيين الإيرانيين الذين شاركوا في المحادثات حول ترتيبات الوضع الأمني في العراق عام 2007 مع السفير الأميركي رايان كروكر". ومن بين أبرز نقاط الخلاف العالقة بين الطرفين، من وجهة نظر طهران، إصرار الولايات المتحدة على تغيير بعض بنود الاتفاق، واستخدام المفاوضات لمعالجة مسائل استراتيجية، مثل منع إيران من تصنيع الصواريخ الباليستية، والحدّ من نفوذها وتوسعها الإقليمي الذي يقلق العرب ودول الخليج بالتحديد.

إذا كان الملالي يريدون فعلا إعادة النظر في مقاربتهم، وجادّين في العودة إلى المفاوضات، فلماذا يقرنون هذه الإيجابية التي يعلنون بتصعيد المواجهة؟

أي موقف وأي توجه يعكسان النيات الحقيقية لنظام الملالي، ولماذا قرّرت طهران العودة إلى المفاوضات، وهل قرّرت فعلا التخلي عن شروطها المسبقة، وفي مقدمها رفع العقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة، والتي زادت منها الإدارة الحالية. أما أصعبها وأكثرها تعجيزا مطالبتها بالتزام الإدارة الأميركية الحالية بعدم الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، حتى من الإدارات اللاحقة في المستقبل! وإذا كان الملالي يريدون فعلا إعادة النظر في مقاربتهم، وجادّين في العودة إلى المفاوضات، فلماذا يقرنون هذه الإيجابية التي يعلنون بتصعيد المواجهة وتسخين ساحات النزاع الإقليمية واستفزاز الأميركيين، مثل اقتحام الحوثيين السفارة الأميركية في صنعاء، واحتجاز موظفين يمنيين بداخلها، ثم شن هجوم بالصواريخ عبر طائرات مسيّرة على قاعدة عسكرية في الرياض، فيما هم (الإيرانيون) يجرون، منذ أشهر، حوارا مع السعودية في بغداد، يقولون إنه إيجابي وبناء. وفي العراق نفسه، تصعّد المليشيات التابعة للنظام الإيراني، والمنضوية في إطار "الحشد الشعبي"، حملتها على الحكومة، وتهدّد باللجوء إلى العنف، لتقويض تجربة مصطفى الكاظمي بعدما أصيبت بهزيمة نكراء في الانتخابات البرلمانية. وفي لبنان يحبس حزب الله أنفاس الدولة، معطلا عمل الحكومة التي أتى بها أخيرا، ويشل القضاء، ويتسبب بعزلة لبنان العربية والدولية، ويخرّب علاقاته مع السعودية ودول الخليج. ناهيك عن عمليات الاستفزاز والقرصنة الذي يقوم بها الحرس الثوري بشكل مباشر بحرا، باحتجاز سفن أجنبية تحت حجج واهية عشية مباحثات فيينا، وقبل أيام فقط من زيارة مدير عام وكالة الطاقة الذرية، رفائيل غروسي، طهران. هذا كله فيما العقوبات تحاصر الداخل وتقوّض الاقتصاد وتحرم الإيرانيين من الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والماء والمحروقات. أما نسبة الوفيات بفيروس كورونا فقد تخطت المائة شخص يوميا بعد إعادة فتح المدارس.

مواقف وإشارات لا تساعد على إيجاد أجواء من الثقة الملائمة لإنجاح المفاوضات، تماما كما تفعل إيران بتصعيدها في أكثر من اتجاه

وفي ما يخص الولايات المتحدة، هذا المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران، روبرت مالي، الذي عينته إدارة بايدن، ويعتبر مرناً حيال طهران، كونه كان مسؤؤلا عن الملف خلال إدارة أوباما، ومن صانعي الاتفاق، يحذّر من أن "وقت إحياء الاتفاق النووي بدأ ينفذ"، مؤكّدا أن "إيران بدأت تقترب من نقطة اللاعودة، من أجل إحياء الاتفاق النووي، مع زيادة مخزوناتها من اليورانيوم المخصّب". وحذّر مالي من أنه إذا استمرّت طهران في التخصيب، فإن هذا سيؤدي إلى استحالة أي منفعة من العودة إلى الاتفاق النووي، وكشف عن أن هناك تنسيقا مع روسيا والصين، اللتين تدفعان أصلا باتجاه العودة إلى الاتفاق، لمنع حدوث أزمة، من شأنها أن تشعل المنطقة في حال استمرّت إيران في مسارها التصعيدي. في المقابل، أكد مالي أن إدارة بايدن تريد إطلاق سراح جميع الأميركيين المحتجزين ظلما في إيران، ولن تقبل باتفاق جزئي للإفراج عنهم. كما أنها أعلنت، في السابق، دعمها محاسبة النظام الإيراني في قضية الطائرة الأوكرانية التي أسقطها "الحرس الثوري" الإيراني غداة تشييع سليماني. لا بل أكثر من ذلك، يذهب الرئيس الأميركي أبعد، ملوحا بالخيار العسكري، فقد صرّح، في بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، عند تحديد موعد استئناف المفاوضات، إنه سيتحتم على الولايات المتحدة "إيجاد توازن دقيق بين تقديم تنازلاتٍ وممارسة ضغوط، وصولا إلى تهديدات عسكرية" مشكّكا بنيات طهران. وهذه كلها مواقف وإشارات لا تساعد على إيجاد أجواء من الثقة الملائمة لإنجاح المفاوضات، تماما كما تفعل إيران بتصعيدها في أكثر من اتجاه، إلى درجة أنها أحرجت الأوروبيين الذين حاولوا ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة، وبالأخص فرنسا، التي ما زالت تسعى إلى لعب دور الوسيط بين الطرفين، طمعا بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع إيران. وهذا رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينت، ينذر واشنطن، عشية استئناف المفاوضات، بأن إسرائيل لن تلتزم بالاتفاق النووي مع إيران، حتى وإن عادت إليه كل الدول الكبرى!
واضح أن إدارة الرئيس بايدن في حيرة من أمرها، فهي تريد، وتأمل، من إيران أن تعود إلى طاولة فيينا، ولكنها لا تريد (أو غير قادرة!) أن تمارس ضغوطا إضافية عليها، وعاجزة، في الوقت عينه، عن تفسير حقيقة ما يريده الملالي، وعن استشراف أفق التصعيد الذي يمارسونه، لأنها غير قادرة، في المقابل، على تقديم أي شيء أو الخضوع لابتزاز طهران، أو حتى التراجع عما فرضته الإدارة السابقة. بدوره، يقوم النظام الإيراني، وكعادته، بتحريك أوراقه الإقليمية (العربية)، لتعزيز شروطه التفاوضية وتحسينها، على الرغم من أن واشنطن لم ترفع العقوبات مسبقا، ولن تتخلّى عن شرط وقف صنع الصواريخ الباليستية، وعن وقف تخصيب اليورانيوم. فلماذا العودة إذا إلى طاولة المفاوضات، وعلى ماذا يراهن كل طرف؟ ومن يناور على الآخر؟ الظروف لا تبدو ناضجة .. أم هناك طبخة قد نضجت وراء الكواليس، وينتظر رفع الستارة عنها في فيينا؟