من الذي يكتب أسرع من ظلّه؟
الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي في طريقه إلى السجن في باريس (21/10/2025 فرانس برس)
ما إن أعلن الرئيس الفرنسيّ السابق، نيكولا ساركوزي، نيّته إصدار كتاب بعنوان "مذكّرات سجين"، في الـ10 من الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، حتى أصيب أبرياء كُثرٌ بالبهتة، وعاودتهم أسئلة من نوع: هل أصبح تأليف كتاب بحجم تجربةٍ سجنيّة بسيطاً إلى هذا الحدّ؟ هل بتنا في زمن الكتابة الفورية والخبر العاجل و"الفاست بُوكْ" على غرار "الفاست فود"؟ والحقّ أنّ التفاعل مع الأحداث الساخنة جزء من تاريخ الكتابة، لكنّ "الاستجابة السريعة" ظلّت دائماً مشروطةً بضرورة ظرفيّة مبنيّة على طبقات من التراكم. لا فرق في ذلك بين الكتب الفكريّة وكتب السيرة واليوميات والروايات المنسوبة إلى "أدب السجون".
احتاج اللاجئ الكردي الإيراني بهروز بوجاني إلى خمس سنوات في معتقل مانوس كي يؤلّف "لا صديق سوى الجبال". وشرع نيلسون مانديلا في كتابة مذكّراته في عام 1974 وأنهاها بعد إطلاق سراحه في 1990. نلمس أهميّة العامل الزمني نفسه، لدى جلّ الكتّاب العرب المندرجين في هذا السياق، ومنهم على سبيل الذكر: الفلسطيني توفيق فياض في "المجموعة 778"، المصري صنع الله إبراهيم في "يوميات الواحات"، المغربية مليكة أوفقير في "السجينة"، السوري مصطفى خليفة في "القوقعة"، التونسيّون: جلبار النقاش في "كريستال"، فتحي بن الحاج يحيى في "الحبس كذّاب والحيّ يروح"، سمير ساسي في "برج الرومي"، إلخ.
ليست السرعة، إذن، رديفًا للرداءة بالضرورة. وليس التفاعل الفوري مع الأحداث الساخنة نقيضاً للأدبيّة. المهمّ أن يبرهن العمل على موهبة صاحبه، وأن يستغرق زمنيّة معقولة لا تنسف معنى الزمن في الكتابة، ولا تضع صدقيّة العمل وصاحبه موضع الشكّ. تشكيكٌ اصطدمنا به أيّام الحدث الثوري التونسي، على سبيل المثال، حين نشر الطاهر بن جلون كتابين دفعة واحدة، فتساءل القرّاء: هل كان الأمر تفاعلاً بسرعة البرق مع حالة ملهمة، أم محاولةً للركوب على موجة ثورية لم يبلغ عمرُها الأشهرَ التسعة المطلوبة للحمل الكامل؟
ثمّة سرعة مقبولة ومعقولة، وثمّة "إفراطٌ في السرعة" يضع الصدقيّة موضع الشكّ. وتلك، على الأرجح، وضعيّةُ كتاب ساركوزي. ولن يستغرب إعلان صدوره بهذه السرعة إلّا من يصدّق أنّه كتابٌ بالفعل. من ثمّ تلميحنا إلى "البراءة" في بداية النصّ. وذلك لأنّ هذا النوع من "النشاط" أقرب إلى سلطة الإعلام، والمشهدية، والتسويق، منه إلى التأليف والكتابة. نحن أمام فبركة مخصوصة لا يصدّقها إلّا الأبرياء، ولا يهتمّ فيها المُفبرِكُ بنضج النص أو القارئ، بل ينتظر موعد الظهور الإعلامي، لا ليقدّم شهادة، بل ليقدّم بروباغندا. هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام نصوص أم أمام ملصقات دعائية؟
والحقّ أنّنا أمام "مرافعة" محكومة بإكراهات اللحظة: لحظة الدفاع عن النفس واستعادة السيطرة. لحظة صناعة السرديّة الخاصة قبل أن يكتب الآخرون سرديّاتهم. هنا، يتحوّل السجن من تجربة وجودية إلى "ماكنة تبييض". فَوْرَ الإعلان ينتقل "الكاتب" من مربّع المُدان إلى مربّع الراوي صاحب السرديّة، وربّما "البطل المقاوم"، المتأمّل في محنته والخارج منها أكثر قوة. يلعب هذا النوع من السرد، عندما يُكتب بسرعة، دور الردّ المكتوب قبل أن يجفّ الحبر القضائي. يُنشئُ قِصَرُ المدّة وهمَ القرب، فيشعر القارئُ بأنه يقرأ صفحات لا تزال ساخنة لرجل يتعرّض لمظلمة.
السؤال مرّةً أخرى: هل يمكن فعلاً تحويل عشرين يوماً من السجن إلى مائتي صفحة؟ ربما. لكن هل يمكن فعل ذلك بهذه السرعة، بهذا التسرّع، بهذا الاستعجال؟ هنا يصبح الزمن نفسُه شخصيّةً داخل النص: يصرخ، يغمز، يذكّر القارئ بأنّ الكتاب ليس فقط ما يُكتب، بل متى يُكتب ولماذا. ولعلّ أهم درس يمكن استخلاصه من هذه القصّة: أنّ الكتابة تفقد معناها إذا انعزلت عن العالم، وتفقدُه إذا استسلمت لعدوى العالم، بما في ذلك عدوى السرعة. ويبقى السؤال معلّقاً بين كرونوس، والقضبان، وقلم "السجين". وليس في وسع أحد أن يعرف ما إن كان قد تمّ تأليف الكتاب بسرعة، أو أنه كان جاهزاً منذ زمن، ينتظر فقط اللحظة المناسبة. سيُقرأ الكتاب في كل الأحوال، وسيبتسم كرونوس، ساخراً كما هو دائماً، قبل أن يواصل طريقه. ولو سألته عن رأيه في السياسيّين، لقال لك إنّ فيهم من يكذب أسرع من ظلّه، ثمّ أغراه التباسُ الكتابة بالكذب في هذه المرحلة الشعبويّة، فصار يكتب أسرع من ظلّه.