من البوكمال إلى البيت الأبيض

15 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

لم تكن الغارات الإسرائيلية، يوم الأربعاء الماضي، في البوكمال ـ دير الزور، شرقي سورية، جديدة. اعتاد الإسرائيليون شنّ الهجمات في سورية منذ سنوات. الجديد إعلان مسؤول استخباراتي أميركي "رفيع المستوى"، لوكالة أسوشييتد برس، أن الإسرائيليين نفّذوا غاراتهم "بناءً على بيانات استخباراتية قدمتها الولايات المتحدة إلى إسرائيل". وأضاف أن الغارات "استهدفت مستودعات في سورية كانت تُستخدم كجزء من خط الأنابيب لتخزين أسلحة إيرانية وتجهيزها"، وأن "المستودعات كانت بمثابة خط أنابيب لمكونات تدعم البرنامج النووي الإيراني". وكشف أيضاً أن "وزير الخارجية مايك بومبيو ناقش الغارات قبل وقوعها، مع رئيس الموساد يوسي كوهين".

يمكن قول الكثير عن هذه التفاصيل، بدءاً من التسريب الأميركي عن التعاون الذي أفضى إلى شنّ الغارات، مروراً بنوعية المستودعات المُستهدفة وفق الأميركيين، وصولاً إلى انعكاس ذلك كله على الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس المنتخب جو بايدن. في التفصيل الأول، أظهر الأميركيون أن التعاون مع الإسرائيليين في الملف السوري لن يتغيّر، خصوصاً أن أهدافه لم تعد تنحصر في موضوع وجود القوات الإيرانية وحلفائها في سورية، بل يتعدّاه إلى قطع الطريق على مدّ إيران بمكوّناتٍ تُساهم في دعم برنامجها النووي. هنا، يظهر التفصيل الثاني في موضوع الغارات: إسرائيل مستعدّة ميدانياً لقصف كل ما يتصل بعملية تطوير البرنامج النووي الإيراني، في حال لم يتمّ التوصل إلى اتفاق نووي جديد في عهد بايدن. وما قصف البوكمال، كانت تلك المكونات موجودة أو لا، سوى إنذار إسرائيلي بدعمٍ أميركي، للذهاب إلى أبعد من ذلك، أي إلى حدّ قصف مواقع في الداخل الإيراني. أما التفصيل الثالث، فمرتبط بمدى استعداد بايدن تأييد التصعيد الأمني الجديد وتغطيته، بل والاستفادة منه لـ"تطوير الاتفاق النووي الإيراني"، وفق أدبياته وأدبيات أركان إدارته العتيدة.

في الواقع، انتقل الإسرائيليون من أولوية "إبعاد الإيراني عن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة"، إلى "منع الإيراني من الحصول على المواد المساهمة في إنتاج السلاح النووي في سورية، لنقلها إلى طهران". والأولويتان أساس بند "إخراج إيران من سورية"، لدى الإسرائيليين. ولا يُمكن إقناع روسيا، حليفة إيران، بجدوى هذه العمليات، سوى من خلال العودة إلى لقاء تل أبيب الأمني الذي عُقد في يونيو/حزيران 2019، وترأسه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وضمّ في حينه، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات، ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق جون بولتون، ومستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف. اختلف المجتمعون، في حينه، على الموضوع الإيراني في سورية، لكنهم اتفقوا على أن "أمن إسرائيل فوق كل اعتبار". هنا تبدو الثغرة مفتوحةً لإقناع الروس بجدوى الغارات من جهة، والضغط عليها لإقناع إيران، أقلّه في الحدّ من تطوير وجودها في سورية من جهة ثانية. كما أن أنباء أخرى، غير مؤكّدة، تحدثت عن إخلاء الروس مواقعهم في البوكمال قبل الغارات الإسرائيلية.

في المقابل، لا يبدو بايدن بعيداً عن مبدأ "أمن إسرائيل أولاً"، وفقاً لتاريخه المؤيد لها، لكنه كان مستعدّاً لإحداث نوعٍ من التوازن في أثناء عمله نائباً للرئيس الأسبق، باراك أوباما، خصوصاً في الوصول إلى اتفاق نووي مع إيران في يوليو/تموز 2015. إلا أن اختلال التوازن حالياً دفعه إلى تأييد فكرة تعديل الاتفاق النووي، وشموله مسألة "الصواريخ البالستية"، لكنه لا يرغب في الانغماس في الصدام مع إيران. وما تسميته وليام بيرنز مديراً لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) سوى محاولة لتطوير التفاوض مع إيران، اعتماداً على هندسة بيرنز نفسه الاتفاق النووي.

يدرك الإسرائيليون والإيرانيون أن بايدن سيركّز على مكافحة كورونا وإعادة تنشيط الاقتصاد الأميركي في الوقت الحالي، ولن يكون في مقدوره صياغة تغييرات جوهرية في الشرق الأوسط في الأشهر القليلة المقبلة، لذلك سترتفع وتيرة الحراك الميداني بحدّة، وقد تتجاوز سورية إلى لبنان والعراق.