من أين تبدأ المصالحة الليبية؟

23 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يدرك الجميع اليوم أن الحالة الليبية في حاجة اليوم إلى مصالحة داخلية حقيقية لترميم البيت الداخلي الليبي، والانطلاق به نحو الإستقرار ولو نسبياً. وعند الحديث عن المصالحة هنا، فإنه عن كل جوانبها، الاجتماعية والسياسية، باعتبار أنهما صنوان لا يمكن التفريق بينهما، إذا أخذنا بالاعتبار التقلبات التي مرّت بها الدولة والأزمات المتتالية التي أنتجتها الأزمات السياسية بطريقةٍ أو بأخرى، وأثرت في النسيج الاجتماعي للدولة، كما أن المصالحة لا بد أن تكون مقرونةً بالإصلاح والاسْتِصْلاح الرسمي والمجتمعي اللذين هما نقـيض الإِفساد والاستفساد، اللذين لا يمكن تحقيقهما إلا بالإصلاح السياسي الشامل، وهذا ما قامت من أجله ثورة 17 فبراير (2011)، حيث إنها لم تقم إلا لإنجاز الإصلاح والتحول من حال إلى حال أحسن، وليس العكس. وكذلك من أجل إزالة الظلم والطغيان، واستبدالهما بالعدل والمساواة، وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، والتي أخذت من عمرها العشر سنوات ولم تتحقق بعد، ولو نسبياً.
شهدت الساحة الليبية أزمات سياسية واجتماعية وأمنية؛ بل واقتصادية، نتجت عنها تغيرات كبيرة بين مكونات الشعب الليبي، وصلت إلى ذروتها في السنوات الأخيرة من عمر الأزمة الليبية، مُكَوِّنة تداعيات اجتماعية خطيرة، قد تكون عقبة غير منظورة، في بناء الدولة، وإيجاد الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا بها، لتكون الحاجة ملحة للسعي نحو المصالحة الوطنية باعتبارها جزءا مهما وفاعلا من مراحل إنهاء الأزمة السياسية في البلاد ككل، لتحقيق السلام والاستقرار تحت مظلة المصالحة الاجتماعية والسياسية الشاملة.

يجب إيجاد أرضية للمصالحة الليبية، اجتماعية كانت أو سياسية، تقدّم التوافق على الاختلاف، والإصلاح على الإفساد

وفي المقابل، لا يكون بناء الدولة إلا بتضافر جهود جميع أطياف الشعب لبنائها، باعتبار أن رقيّ الدولة وتقدّمها لا يكونان إلا نتيجة تحدّ تواجهه الشعوب، سواء كان داخلياً؛ أي: بين فئات الشعب الواحد ومكوناته، أو كان تحدياً خارجيا يدعم استقرارها ووحدتها على شكل تحالفاتٍ دوليةٍ وإقليمية، الأمر الذي يؤدي إلى حراكٍ داخليٍّ بناء، ينتج عنه نشاط حيوي في الدولة والمجتمع تستجيب له النخبة والمجتمع، فيكون ذلك سبباً لاستقرار الدولة ونهضتها وتقدّمها.
عودة إلى السؤال أعلاه: من أين تبدأ المصالحة الليبية بعد عشر سنوات من عمر الثورة الليبية؟ أولاً هناك شيء ثابت لا يمكن القفز عليه في أي حال، وهو إيجاد أرضية لهذه المصالحة، اجتماعية كانت أو سياسية، تقدّم التوافق على الاختلاف، والإصلاح على الإفساد، وإلاَّ لن يكون للمصالحة أثر، وإنْ تكرّرت المحاولات التي تسعى إلى تحقيقها في هذا الشأن مرّات ومرّات، وكذلك إن تعددت الأساليب في ذلك، الرسمية منها والمجتمعية. ومن جهة أخرى، الواقع الذي عاشته وتعيشه الدولة من عمر الثورة، والاختلاف السياسي وانعكاساته على البلاد، سيكون لهما أثر إيجابي، بل وممهد لقيام دولةٍ تكون أقرب إلى الاتفاق منها إلى الاختلاف، بعد هذا المخاض الذي عاشته في السنوات الماضية، باعتبار أن الدول لا تقوم على الاختلاف فقط ولا تقوم على الاتفاق فقط، فهناك دول قامت وتقدّمت على الرغم من اختلاف هويتها، ومنها ما تفتت وهي متفقة في الهوية الوطنية، وكذلك العكس. ومن هذا نرى أن الدول تقوم على حد سواء، أكان بالاختلاف أو الاتفاق، بشرط تحقق العدالة، وعدم القفز على المسار السياسي المحدّد والمُرتضي في البلاد.

المصالحة الوطنية تبدأ بإعادة اللحمة الاجتماعية المتفكّكة، بمعالجاتٍ واقعيةٍ تجبر الضرر، وتكون جذرية

من ذلك يمكن القول إن التوصل إلى تفاهماتٍ سياسيةٍ في الحوارات الليبية الجارية بكل مساراتها بين الطرفين، يمكن أن يساعد في إيجاد مصالحة حقيقة داخلية، بشرط إبعاد الإنقلابيين والمجرمين عنها أولاً، إضافة إلى تحييد القوى الإقليمية التي تعمل على إرباك المشهد الداخلي واستمرار الإنقسام السياسي ثانياً. 
كما أن المصالحة الوطنية تبدأ بإعادة اللّحمة الاجتماعية المتفكّكة، بمعالجاتٍ واقعيةٍ تجبر الضرر، وتكون جذرية، الأمر الذي يتطلّب تكاثف الجهود التي ترتكز على المقومات الاجتماعية أكثر منها على التي ترتكز على إلإجراءات الحكومية وقرارتها. ناهيك عن دور التكتلات السياسية التي يمكن أن تلعبه، سواء بالإيجاب أو بالسلب، والذي يُحكم عليه بآليات تعاطيها مع هذا الملف، من خلال تقديم المصلحة العليا للبلاد، أو الركون إلى المماحكات السياسية والمصالح الضيقة التي تسعى إلى تحقيقها، وكان لها أثر سيئ على الأزمة في الدورات الحوارية المختلفة، الداخلية منها والخارجية.
أضف إلى ذلك أنه لا بد من إيجاد أرضية توافقية يمكن من خلاها الانطلاق في "معركة" المصالحة الوطنية، والأرضية هذه هي المبادئ الحاكمة التي يجب أن تكون في حلّ الاختلافات بكل صيغها وأشكالها، ضمن إطار قانوني أو دستوري، ينتج من القاعدة "المجتمع"، وتتبنّاه الدولة أو الحكومة من حيث الضامن والراعي له لا أكثر. وإن تعذّر ذلك، فإن تحقيق المصالحة الحقيقة التي تبني الدولة وتنهي الخلافات ما زالت بعيدة التحقيق والمنال.