من أنتم؟

15 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:40 (توقيت القدس)

تونسيون يتظاهرون ضدّ الحكومة في العاصمة تونس (10/1/2026 Getty)

+ الخط -

صرخة أطلقها المحامي والحقوقي اليساري التونسي، أنور القوصري، في وجوه الذين شنوا حملة شرسة على بعض الشخصيات الجامعية والحقوقية التي شاركت أخيراً في ندوة عن الاستحقاق الديمقراطي في تونس. لم يكتفِ بالتساؤل، بل وصف الواقفين وراء الحملة بأنهم "أصحاب النفوس المريضة، يقودهم كره بافلوفي للتيارات الإسلامية". ويعود السبب الرئيسي إلى أن الندوة أدارها المحامي سمير ديلو الذي كان وزيراً لحقوق الإنسان في سنوات حكم "الترويكا" بقيادة حركة النهضة، وشاركت فيها شخصيات معروفة بمرجعيتها العلمانية والديمقراطية، مثل أستاذة الحقوق سنا بن عاشور، إلى جانب حمادي الرديسي والمولدي قسومي. وحتى يبدو الحدث كارثياً، اعتبر هؤلاء أن اللقاء لم يراعِ ذكرى اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد، حيث يستمر الإصرار على اتهام راشد الغنوشي ومن معه بالتخطيط لقتله، رغم أن القضاء لم يُثبت هذا!

لم يتوقع غلاة العلمانية أن يتولّى عدد ممن لهم مواقف نقدية تجاه حركات الإسلام السياسي بالاعتراض على نزعة إقصاء الإسلاميين جملة وتفصيلاً. فعلى سبيل المثال، اعتبرت رجا بن سلامة، رغم خلافها مع حركة النهضة، أن سمير ديلو "لم يكن من صقور النهضة، وهو اليوم يقوم بدور في الدفاع عن سجناء الرأي بشجاعة ومهنية، وهو أقرب إلى اليسار التقدمي من اليسار الذي يدافع اليوم عن الاستبداد والقمع وعبادة الشخصية".

يستمر هذا الجدل العقيم في تونس في ظرفٍ سياسيٍّ تستمر خلاله المحاكمات السياسية ويتواصل تشديد القبضة على الحريات والحقوق. هذا ما يعتقده كثيرون، ويعبّرون عنه بقوة في أقوالهم وأفعالهم. فخلال الأسابيع القليلة الماضية تسارعت وتيرة الاعتقالات والإحالة على المحاكم بتهم متشابهة. لقد أحيل القاضي الإداري السابق والمحامي أحمد صواب على محكمة الاستئناف التي رفضت الإفراج عنه، وتمسّكت باتهامه بالإرهاب رغم خلو ملفه من أي دليل على ذلك. ومن ناحية أخرى، بدأ الشروع في محاكمة القاضي المعزول هشام خالد، بسبب تدويناتٍ اعتبرتها وزيرة العدل ثلباً لها. كذلك حكم بثلاث سنوات ونصف سنة في حق الصحافيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، بتهمة غسل الأموال، رغم اختلاف مسارهما، وبعد أن قضيا ثمانية أشهر في السجن وفق مقتضيات المرسوم 54.

في السياق نفسه، اعتُقِل النائب أحمد السعيداني وأُودِع السجن بسبب تدويناته التي تحدّى فيها الرئيس قيس سعيّد، ووجه له انتقاداتٍ صريحة. ولافت للنظر أن هذا النائب لم يشفع له دفاعه عن مسار 25 جويلية (2021)، ومطالبته بإعدام راشد الغنوشي وقادة حركة النهضة. وتصوّر أن بإمكانه أن يعارض من داخل المربع الرسمي، من دون أن يتعرّض للأذى، فوجد نفسه في نهاية المغامرة ملحقاً بخانة "الأعداء". تأتي هذه القضية في سياق الحدّ من اتساع رقعة النواب الذين تجرّأوا على معارضة القيادة السياسية. ولكن المساس بالحصانة البرلمانية من السلطة قد زاد في توسيع الشقّة بين الطرفين، فهذا نائب آخر وجّه نداءً إلى رئيس الجمهورية، اعتبر فيه الحرية "ليست شعاراً، إذ من دونها لن توجد رقابة ولا محاسبة. الخوف لا يبني دولة، وإنما يبني جدراناً، فتونس الأخرى تقام بنقاش حر وانخراط شعبي". ... هذا من دون ذكر قضايا عديدة ذهب ضحيتها تلاميذ وجدوا أنفسهم وراء القضبان بسبب تدويناتٍ فسّرت بطريقة نسفت مستقبلهم الدراسي. لمواجهة هذه الهجمة، نظم المحامون وقفة احتجاجية بقيادة عميدهم تحت شعار "لا للتضييق على حق الدفاع.. لا للمساس بضمانات المتقاضي".

عندما ولدت الثورة التونسية فجأة، لم تكن النخب مهيأة فكرياً وسياسياً لتأسيس التعايش المستمر بين مكوّناتها. لهذا سرعان ما انهار البناء المؤسّساتي الذي ساهم الجميع فيه خلال السنوات الأولى من التغيير. اليوم وقد اصطدمت الأغلبية الساحقة من الفاعلين بالجدار، يفترض فيهم (إذا كانت هناك جدّية في بناء مرحلة جديدة تكون مختلفة ومثمرة) أن يتّخذوا من عنوان افتتاحية صحيفة المغرب شعاراً ملزماً لهم "الاختلاف يبني الأوطان والعداوة تدمّره".