من أعاد سيف القدس إلى غمده؟

من أعاد سيف القدس إلى غمده؟

03 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

بادئ ذي بدء، كانت تسمية معركة الأحد عشر يوماً، في مايو/ أيار الماضي "سيف القدس" تسمية موفقة للغاية، على العكس من تلك التسميات التي أطلقتها حركة حماس على مواجهاتها السابقة مع قوات الاحتلال، مثل معركة "الوهم المتبدّد" أو غيره من التسميات المرتجلة، فليس هناك أبلغ من رمزية السيف، دلالة على القوة، ولا هناك أكثر أهمية من القدس، أقرب رقعة في الأرض من باب السماء.
لا هذه التسمية الصائبة تماماً، ولا توقيت هذه المعركة الصاروخية، كانا محض مصادفة، ذلك أنّ نصرة القدس التي ظل جرحها لا يؤلم أحداً سوى أهلها، كانت نصرة مستحقة من دون ريب، كما بدت اللحظة السياسية مواتيةً تماماً، لمنح المدينة المقدّسة الأولوية الاولى على سلّم الاهتمامات الوطنية، سيما في وقتٍ ازداد فيه المحتلون شراسةً في عمليات تهويدها، وتهجير أحيائها.
غير أنّ التغول على القدس، والاستفراد بمواطنيها أكثر من ذي قبل، ناهيك عن استهداف المسجد الأقصى بعدوانيةٍ مفرطة، لم يكن الباعث الوحيد لتجريد السيف من غمده، ولا لإقامة مثل هذا الرابط غير المسبوق بين غزة ودرّة المدن الفلسطينية، فقد كانت هناك جملة من المتغيرات الداخلية، سيما في الضفة الغربية، بما في ذلك إرجاء الانتخابات، شكلت حوافز إضافية لحركة المقاومة الإسلامية، كي تضرب ضربتها المدوّية هذه، وتصيب عدة عصافير سمينة بحجر واحد، في مقدّمتها الخروج من حالة الحصار المديد، مرّة واحدة، ومن ثمّة الوصول إلى قلب المعترك، حيث الأوكسجين السياسي في بيت المقدس وأكنافه.
وبالفعل، حققت ضربة "سيف القدس" معظم ما كان معوّلاً عليها، فقد رفعت الروح المعنوية، وشدّت من عصب الفلسطينيين، عندما رأوا بأم العين، عبر البث الفضائي المباشر، الصواريخ تنطلق زرافاتٍ من غزّة نحو القدس وتل أبيب وغيرهما، في مشهدٍ يشارف حد الإعجاز ويفوق أعلى التوقعات، الأمر الذي صدحت معه الحناجر هاتفة للمقاومة، وبدت فيه "حماس" أقرب ما تكون إلى هدف كسر الحصار، والتقدّم إلى المركز الفلسطيني الأول، وبالتالي الإمساك بزمام الأمر، على نحو ما حصدته حركة فتح بعد "معركة الكرامة".
كان ذلك كلّه صحيحاً للوهلة الأولى، إذ كان البحر مواتياً، وكانت الرياح تملأ أشرعة سفينة الحركة المبحرة حثيثاً نحو الضفة الغربية، غير أنّ سوء تقدير الموقف، الذي غالباً ما تقع فيه الحركة التي تُحسن اعتماد استراتيجياتٍ صحيحة، وتخطئ في اتباع تكتيكات ملائمة، فوت الفرصة السانحة لتغيير اتجاه الدفة، من حركةٍ، تطرح نفسها بديلاً لـ"فتح" والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير، إلى شريكٍ وازنٍ في النظام الفلسطيني، إذ لم يمضِ سوى قليل من الوقت إلّا وقد تبدّد الإنجاز الباهر، وضاعت فرصة تحويله إلى مكسب سياسي أوسع نطاقاً من حيّز المصالح الفئوية.
اعتقدت "حماس" أنّها انتصرت على جميع الخصوم والأعداء دفعة واحدة، وراحت تحت شعار "ما بعد سيف القدس لن يكون كما كان قبله" تفتح ناراً سياسية حامية، ليس ضد الاحتلال الذي جرّد الحركة المجاهدة من هامش مناورة الإرباك الليلي والبالونات الحارقة، إنّما أساساً ضد حركة فتح التي وجدت في الشعارات المرفوعة استثماراً لحالة الاحتقان الشعبي، ما يمهّد لفوضى أمنية محتملة، تعيد إلى الأذهان شبح الانقلاب الدموي عام 2007، الأمر الذي وقفت إزاءه الحركة القائدة للكفاح الفلسطيني وقفة رجل واحد، درءاً لمفاعيل هتافات إسقاط النظام، و"ارحل" وإنهاء "سلطة الجواسيس" في رام الله.
لم يتوقف السجال عند هذا الحد، ولم يقتصر توظيفه ضد العدو والخصم معاً، بل امتد إلى الوسيط الأممي، الذي وصف قائد غزة، يحيى السنوار اللقاء به أنّه كان سيئاً جداً، على خلفية شروط التهدئة وإدارة إعمار القطاع، كما شمل الإلحاح على الاعتراف بالأرجحية، وعلو كعب "حماس" الوسط المصري، الذي ألغى الاجتماع التمهيدي الخاص بالأمناء العامين للفصائل، وأرجع عشرات الآليات الثقيلة من حيث أتت، وقطع كلّ اتصال له مع غزّة، بعدما وقف على مطالب الحركة الإسلامية، الخاصة بالمصالحة والإعمار والتهدئة، ناهيك عن مسألة تبادل الأسرى.
سحبت "حماس" سيف القدس من غمده، وحققت نصراً معنوياً عزيزاً، لكنّه كان قاصراً عن تعديل ميزان الردع، أو تغيير قواعد الاشتباك، أو تحسين حياة الغزّيين قيد أنملة، مع ذلك ظل إنجازاً يمكن البناء عليه، والاستثمار فيه، لولا الأخطاء التكتيكية الفادحة، الأمر الذي أعاد هذا السيف إلى غمده تحسّباً وإشفاقاً على الناس، بعدما قدّمت غزة ما عليها، ولم يعد في وسعها التحمّل أكثر.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي