من أجل إنقاذ المعطي منجب

من أجل إنقاذ المعطي منجب

24 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

عاد اسم المعطي منجب، المؤرّخ والكاتب والحقوقي، إلى تصدّر عناوين الأخبار في بلده المغرب والعالم، بعد دخوله في إضرابٍ عن الطعام وصل إلى يومه التاسع عشر عند كتابة هذا المقال (قبل الإفراج عنه الليلة الماضية) احتجاجاً على ما يتعرّض له من ظلم داخل معتقله الذي سيكمل فيه شهره الثالث نهاية شهر مارس/ آذار الحالي. وكان منجب، وهو أستاذ مادة التاريخ في جامعة محمد الخامس في الرباط، قد اعتقل يوم 29 ديسمبر/ كانون الأول 2020، بعد شهور من الملاحقات والتحقيقات البوليسية، على خلفية أمر صادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عن وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية في الرباط، بدعوى أن منجب يخضع لبحث تمهيدي بشبهة وجود "عناصر تكوينية لجريمة غسل الأموال". وطوال ثلاثة أشهر، خضع وأفراداً من عائلته لتحقيقات مطولة من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في الدار البيضاء، لكن منجب وأفراد عائلته ظلوا يرفضون هذه التهم التي وصفها في تصريحات له، قبل اعتقاله، بأنها سياسية تستهدف نشاطه حقوقياً بارزاً في المغرب، وأيضاً بهدف إسكات صوته، وهو المدافع الشرس عن حقوق المظلومين من صحافيين ومعتقلين سياسيين.

رمز للمثقف العضوى، الملتزم بقضايا شعبه، والمدافع بقوة عن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية

وبسبب نشاطه الحقوقي، ظل منجب وأفراد أسرته محط حملة تشهيرية، تقودها وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، كما تعرّض لعدة مضايقات، طاولت حتى عمله أستاذاً جامعياً، ودفاعاً عن نفسه طالما أُجبر على الدخول في إضرابات مفتوحة عن الطعام، سواء عندما منع من السفر إلى الخارج عام 2014، أو عندما تلقى تهديدات من إدارة جامعة محمد الخامس، ووزارة التعليم العالي في المغرب بفصله من وظيفته الجامعية، بسبب مواقفه المنتقدة الأوضاع في المغرب، والمساندة كل أشكال العمل من أجل التغيير نحو مغرب ديمقراطي. وحتى عندما قرّر مغادرة الوظيفة العمومية طوعاً، وحصل على إذن رسمي من إدارة الجامعة، تراجعت الجامعة عن قبول طلبه وأمرته بالعودة إلى عمله، وهو الذي طالما منع حتى من تدريس طلبته داخل المعهد الذي كان يزاول فيه مهنته.

وليست هذه هي المرّة الأولى التي يحضر فيها اسم منجب بقوة ليتصدّر الأحداث في المغرب، فهو وجه مألوف من الباحثين المهتمين بالشأن المغربي، وحاضر بقوة في كل الأنشطة والمبادرات التي تهدف إلى إحداث تغيير يقود المغرب إلى بناء ديمقراطية حقيقية. وسبق له أن أدار بنفسه، وعبر مركز بحثي أسّسه، سلسلة حوارات تهدف إلى تجميع القوى التواقة للتغيير في المغرب، وعقد لقاءاتٍ لتقريب وجهات النظر بين يساريين وإسلاميين وعلمانيين وليبراليين على أساس ديمقراطي، بهدف توحيد صفوف القوى المستقلة التواقة إلى إحداث تغيير سلمي يقود إلى تأسيس مغرب ديمقراطي.

أدّى ثمن نشاطه المدني من أجل الديمقراطية غالياً طوال مسار حياته التي قضى جزءاً منها بين السنغال وفرنسا، إبان فترة ما عرف في المغرب بـ "سنوات الرصاص"

وأدّى المعطي منجب ثمن نشاطه المدني من أجل الديمقراطية غالياً طوال مسار حياته التي قضى جزءاً منها بين السنغال وفرنسا، إبان فترة ما عرف في المغرب بـ "سنوات الرصاص". ومنذ فترة التراجع الكبير الذي شهده المغرب، عقب نجاح الثورات المضادة في إجهاض "الربيع العربي"، أصبح معرّضاً لعدة مضايقات من السلطة، ومنها حملة تشهير دائمة ضده وضد أفراد عائلته، وهو متابع منذ عام 2015 بتهمة "المسّ بأمن الدولة الداخلي"، بسبب نشاطه المدني، لكن حكم إدانته في هذه القضية لن يصدر إلا بعد اعتقاله، وهو ما حرمه من حضور الجلسة الوحيدة التي عُقدت للنظر في هذه القضية قبل إدانته بالمنسوب إليه والحكم عليه سنة بالسجن النافذ، وهو ما اعتبره دفاعه "حكماً غيابياً" غير مبرّر، وبادر إلى الطعن فيه، لكن منجب كان قد دخل السجن قبل ذلك بشبهة أخرى، ما زالت قيد التحقيق!

وعلى الرغم من كل المضايقات التي كان يتعرّض لها، وبلغت حد التهديد بقطع مورد رزقه وفصله من عمله الجامعي، ظل منجب من بين الأصوات الحرّة داخل المغرب التي لا تخاف في المجاهرة بالانتقاد والتنديد بخروق حقوق الإنسان وبالقمع والفساد والاستبداد في المغرب. وهو اليوم يعتبر رمزاً للمثقف العضوى، الملتزم بقضايا شعبه، والمدافع بقوة عن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، ليس فقط داخل المغرب، وإنما في العالم العربي والقارة الأفريقية التي يعتبر من المتخصصين القلائل في تاريخها السياسي المعاصر.

والمؤرّخ المغربي المعطي منجب هو أيضاً مسار رجل عصامي ومفكر مناضل. هرب، في سبعينيات القرن الماضي، من القمع الذي كان مسلّطاً على الطلبة اليساريين، والتحق بجامعة بول فاليري في مونبولييه بفرنسا لدراسة التاريخ، حيث حصل على دكتوراه عن بحث في تاريخ المغرب المعاصر، وبعدها سافر إلى السنغال للتدريس والبحث، وهناك حصل على دكتوراه ثانية في الدراسات الأفريقية. انخرط مبكراً في نضال "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب"، وحين اشتداد قمع السلطات وتزايدت الاعتقالات السياسية في صفوف الطلبة انتقل وبعض رفاقه إلى فرنسا لينخرط في صفوف "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في فرنسا".

وحتى قبل اعتقاله، كان المعطي منجب يعمل باحثاً في التاريخ المعاصر والمباشر في ''معهد الدراسات الأفريقية'' التابع لجامعة محمد الخامس، في الرباط، التي التحق بها بعد عودته من منفاه الاختياري مع بداية حكم الملك محمد السادس بداية الألفية الحالية، ثم أسّس مركز ابن رشد للدراسات والتواصل، في الرباط سنة 2009. وأنجز أبحاثاً في العلوم السياسية والاجتماعية المقارنة، والتاريخ السياسي، وحقوق الإنسان، واهتم بدارسة الإعلام في المنطقة المغاربية، وكان من مؤسّسي "الجمعية المغربية لصحافة التحقيق"، والتي تدافع عن الحق في الولوج إلى المعلومة واستقلالية الصحافة، وقدّم مئات من المحاضرات في دول عديدة في ما يخص تاريخ أفريقيا والمغرب وتاريخ الإعلام في منطقة شمال أفريقيا.

عند اندلاع أحداث الربيع العربي، كان منجب من بين المؤسسين لـ "المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير"

وعند اندلاع أحداث الربيع العربي، كان منجب من بين المؤسسين لـ "المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير"، النسخة المغربية للربيع العربي، التي رفعت شعارات تطالب بتغييرات ديمقراطية حقيقية في المغرب. وطيلة مساره الأكاديمي، شغل منصب نائب الرئيس ثم الرئيس بالإنابة لمجلس تنمية البحوث الاجتماعية في أفريقيا (2010 - 2012)؛ وزميل باتكين للبحث حول الديمقراطية والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في "مؤسسة بروكينغز"، واشنطن، (يونيو/ حزيران – أكتوبر/ تشرين الأول 2009)؛ كما عمل أستاذاً باحثاً بكلية ريني ريفر، مينيسوتا، 2005 - 2006؛ ودَرّس في جامعة فلوريدا 2003 - 2004، بجينسفيل (التاريخ السياسي لأفريقيا الناطقة بالفرنسية)؛ وعمل أستاذاً للتاريخ في جامعة مكناس في المغرب، وأستاذاً محاضراً في العلوم السياسية في جامعة غاستون بيرغر، سانت لويس بالسنغال من 1992 إلى عام 2000؛ ورئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة نفسها؛ وقام بأبحاث في معهد سوسيولوجيا العالم الثالث الذي يترأسه جان زيغلر في جنيف. وخلال هذا المسار الثري أنتج المعطي منجب عدة مؤلفات، أبرزها "الملكية المغربية والصراع على السلطة"، و"سيرة حياة المهدي بن بركة"، و"مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب" وجديد إصدارته حوار سيرة ذاتية مع الرئيس التونسي المنصف المرزوقي (بالاشتراك مع عبد اللطيف الحماموشي) عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وكان حتى قبيل اعتقاله، نهاية العام الماضي، يعكف على إعداد سيرة ذاتية سياسية عن الزعيم الأفريقي الراحل مامادو ديا.

حياة المعطي منجب مهدّدة داخل السجن، نتيجة إضرابه عن الطعام، والدعوة هنا إلى إنقاذه، وهو الباحث الذي جمع ما بين البحث الأكاديمي الرصين والنضال الملتزم بين صفوف المناضلين وعلى أرض الواقع.