منظّمة شنغهاي... أداة موسكو وبكين لتغيير العالم

25 نوفمبر 2025

بوتين يتحدث في اجتماع مع رؤساء حكومات دول منظمة شنغهاي بموسكو (18/11/2025فرانس برس)

+ الخط -

بات واضحاً أن منظّمة شنغهاي للتعاون تمثّل المنصّة الرئيسة التي تبشّر من خلالها الصين وروسيا بنظام عالمي قائم على تعدّد الأقطاب، يقوّض النظام العالمي أحادي القطبية الذي لا تزال الولايات المتحدة تحميه وتدافع عنه. فبينما اختُتِم في موسكو اجتماع مجلس رؤساء حكومات الدول الأعضاء في منظّمة شنغهاي للتعاون (في دورته الرابعة والعشرين)، بحضور ممثّلين عن دول عربية شريكة في الحوار معها، مثل قطر والإمارات ومصر والبحرين، بدا أن الصين وروسيا تستعملان كلَّ اجتماع لهذه المنظمة للقول إن الخروج من فلك الإدارة الأميركية للعالم ونظامها المالي سيضيف كثيراً للبشرية، خصوصاً على صعيد التنمية.
هكذا، سعت روسيا من الاجتماع إلى تأسيس "مجلس التنمية المستدامة"، وابتكار آلية تمويل لمشروعات المنظّمة التنموية وتأسيس بنك للتنمية تابع لها، وبنية مالية موحّدة مخصّصة لتنسيق المشاريع البيئية بين بلدانها، بينما ركّزت الصين في تعزيز التعاون في العلوم والتكنولوجيا والابتكار الصناعي، كذلك في الطاقتين، التقليدية والمتجدّدة، ودعا رئيس مجلس الدولة الصيني (رئيس الوزراء) إلى مشاركة الأعضاء والشركاء في منتدى الاقتصاد الرقمي ومنتدى تعاون الذكاء الاصطناعي بين الصين والمنظمة. وإذا كان الشكل العام للاجتماع قد بدا اقتصادياً وتنموياً، فإنه يشي بأغراضه السياسية التي تقول إن نموذجنا لإدارة العالم أكثر فائدةً من النظام الذي لا يزال منذ نهاية الحرب الباردة.

تمثل منظّمة شنغهاي للتعاون المنصّة الرئيسة التي تبشّر من خلالها الصين وروسيا بنظام عالمي متعدّد الأقطاب

ويبدو أن الصين وروسيا تريدان تحويل النظام العالمي إلى متعدّد الأقطاب من خلال العمل الدائب عبر هذه المنصّة، أي من دون شعارات وبيانات سياسية مباشرة، على صعيدَيْن: أولهما تعميق التعاون بينهما عبر التنسيق المستمرّ في سياسات المنظمة ومشروعاتها، باعتبارهما اللاعبين الأساسيين فيها، وثانيهما إقناع مزيد من الدول المؤثّرة بالنموذج الذي تقدّمه منظمة شنغهاي، إذ إن توافق موسكو وبكين المستمرّ، وعملهما المستقرّ، يعطيان شعوراً بالثقة للدول، ويشجعانها على أن تكون أكثر اندماجاً في مشاريع المنظمة. وهكذا تظهر المنظّمة في الساحة الدولية، مع كل قمّة تعقدها، لا باعتبارها مجرّد منصّة حوارية، بل إطاراً عملياً للتعاون في مجالات حيوية.
وهكذا يمكن القول إن تعاظم دور منظمة شنغهاي على المستوى العالمي هو (بتكثيف شديد) أداةُ بكين وموسكو الجوهرية لفرض نظام عالمي متعدّد الأقطاب، ولهذا لجأت العاصمتان هذه المرّة إلى التوسّع المؤسّسي في عمل المنظّمة عبر بناء مجلس التنمية المستدامة الذي يوسّع فرص تنفيذ مشروعات متعدّدة الأطراف عبر إطار مؤسّسي ثابت، وإقرار خطط اقتصادية وتجارية لزيادة اندماج الأعضاء في عملها، وصولاً إلى توجيه أجندة المنظمة لاستكمال تحوّلها من منتدى أمني إقليمي، كما كانت عند تأسيسها في 2001، إلى منصّة للتعاون الاقتصادي والتنموي. وكانت الخطوة العملية الأكثر أهميةً السعي إلى جعل المنظمة منصّةً لتنسيق السياسات الصناعية والتكنولوجية، عبر تشجيع الروابط التكنولوجية بين الدول الأعضاء، ما يتيح مشاركة المعرفة الصناعية أو نقلها، وربّما تنسيق السياسات الصناعية مستقبلاً في مجالات مثل تشريعات الاستثمار وحماية الملكية الفكرية وتحديد المعايير الصناعية. لقد استعملت الصين وروسيا الاجتماع لإعطاء زخم جديد لعمل المنظمة بعد أقل من ثلاثة أشهر من انعقاد قمتها في مدينة تيانجين الصينية أواخر أغسطس/ آب الفائت، التي توافق فيها رؤساء الدول الأعضاء على استراتيجية تطوير المنظمة للفترة 2026 - 2035، وطرح فيها الرئيس الصيني مبادرة الحوكمة العالمية بغرض "مساعدة المجتمع الدولي على مواجهة التحوّل العالمي والتحديات الملحّة بشكل مشترك".
يعزّز ذلك كلّه أن المنظّمة تضمّ في عضويتها دولاً بينها خلافات عميقة، مثل الهند وباكستان، أو حتى الهند والصين، ما يعني أن منظمة شنغهاي للتعاون ليست مكاناً لحلّ النزاعات الثنائية، لكنّها قادرة على جمع دول بينها خلافات لإيجاد إطار للتعاون في قضايا مشتركة، وتوفير مساحة للنقاش بينها تخفّف حدّة التوتر. ويعزّز هذا النجاح في جمع دول متعادية أو متنافسة جدوى الدبلوماسية متعدّدة الأطراف على حساب النظام الدولي أحادي القطبية.
لكن، لماذا تفضّل بكين وموسكو التركيز في منظمة شنغهاي لتنفيذ مساعيها الاستراتيجية، وليس في مجموعة "بريكس"، رغم أن الأخيرة باتت تضم دولاً من قارّات مختلفة مثل البرازيل وجنوب أفريقيا ومصر والإمارات، بينما تتركّز عضوية منظّمة شنغهاي في دول آسيا؟ يبدو أن قدرة روسيا والصين على توجيه أعمال منظّمة شنغهاي وخططها أكبر كثيراً ممّا هي في "بريكس"، فالمنظمة انطلقت من التركيز في تعزيز الأمن الإقليمي في آسيا الوسطى، عبر جمع دول آسيوية قريبة من نفوذ موسكو وبكين، ما أعطى الصين وروسيا موقعاً قيادياً فيها منذ يومها الأول، وجعلها متاحةً لاحقاً لطرح رؤيتهما لنظام متعدّد الأقطاب، أمّا مجموعة بريكس فتركيزها أكثر في القضايا الاقتصادية العالمية، والعمل من خلالها ينطوي بطبيعته على تعقيدات جغرافية واقتصادية أوسع.

الخروج من فلك الإدارة الأميركية للعالم ونظامها المالي سيضيف كثيراً للبشرية، خصوصاً على صعيد التنمية

لا يقلّل هذا أهمية "بريكس" لروسيا والصين في شأن الحديث عن نظام عالمي متعدّد الأقطاب، فالتجمّع يمثل مزيجاً من أصوات من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ومن ثمّ يتوفر على ميزة تقديم نموذج عملي يعكس فكرة تعدّدية الأقطاب على مستوى عالمي أوسع. وهذا يعني أن التجمُّعَيْن يكمّل بعضهما بعضاً بالنسبة إلى موسكو وبكين، ولكلٍّ منهما دوره في رسم صورة نظام عالمي متعدّد الأقطاب؛ تمثّل "بريكس" منصّةً واسعةً للتعدّدية العالمية، وتمثّل منظّمة شنغهاي المنصّة التي يطرحان فيها رؤيتهما وأفكارهما بسرعة.
خلاصة الأمر أن علينا مراقبة خطوات منظّمة شنغهاي للتعاون ونجاحاتها بدقّة، لأنها المفتاح الذي يمكن أن يفتح باب تشكيل نظام عالمي مختلف أو يغلقه. وحتى إن كان الأمر يحتاج سنواتٍ وعقوداً، فإن مواصلة عمل المنظمة وتطويره المستمرّ يعني أن فرص التغيير التاريخي لشكل السياسة العالمية تتزايد يوماً بعد يوم.

1E93C99F-3D5E-4031-9B95-1251480454A7
سامر خير أحمد

كاتب أردني من مواليد 1974. صدرت له سبعة كتب، أبرزها: العرب ومستقبل الصين (بالعربية والصينية)، العلمانية المؤمنة، الماضوية: الخلل الحضاري في علاقة المسلمين بالإسلام، الحركة الطلابية الأردنية. رئيس مجموعة العمل الثقافي للمدن العربية.