منظّمة الأمم "المحتفلة"

23 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:53 (توقيت القدس)
+ الخط -

ربّما كان نوفمبر/ تشرين الثاني من أكثر الشهور "أيّامًا دوليّة". خذ مثلاً يوم 2 منه: اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم ضد الصحافيين. يوم مثاليّ لتتذكّر صحافيّين يُقتلون لأنهم يقولون ما يجب أن يُقال، وآخرين يحتسون القهوة في مكاتبهم المكيّفة لأنهم يقولون ما يجب ألَّا يُقال. ثم خذ يوم 6 نوفمبر، اليوم الدولي لحماية البيئة في أثناء النزاعات المسلحة. فكرةٌ عظيمة: أن تطلب من الجيوش أن تقتل البشر بلُطفٍ، وأن تبدي رفقاً بالعمارة والأشجار، وأن نقول للقذيفة: "تجنّبي النهر من فضلك، فهو محميّ دولياً". يشبه الأمر مشهداً من أفلام الكرتون حين يعتذر الذئب للخروف في أثناء التهامه.

في منتصف الشهر، بين 9 و15 نوفمبر، لديك أسبوع العِلْم والسلام. أسبوع واحد. يا للعجب! كأنّ سبعة أيام كافية كي يغسل العِلْمُ يديه من دوره في القصف الجراحيّ، وصناعة الطائرات المسيّرة، وتطوير خوارزميّات القتل الذكيّ. العلمُ الذي أراد أن يفهم الذرّة، ثم سلّمها للإنسان، ليحوّلها إلى رماد متطاير، ها هو في ورطة أخلاقية: كيف يقنع الناس بأنّه ما زال بريئاً مثل تلميذ المدرسة؟ كيف يدعوهم إلى تعليق صورة أينشتاين، والصمت عن هيروشيما، وغزّة، ومواصلة العمل في تطوير أسلحةٍ أسرع من الموت.

عليك ألّا تنسى 16 نوفمبر أيضاً: يوم التسامح العالمي. اليوم الذي يقرّر فيه البشر فجأة أنهم لطفاء، متصالحون، قادرون على الصفح، وعلى قبول الآخر، وعلى تنفّس الاختلاف. إلى أن تشرق شمس الغد فيعود كلّ شيء إلى مكانه: الشتائم في "فيسبوك" و"تيك توك". الكراهية في المكاتب والمنابر. الغضب في البيوت والشوارع. هكذا يركض السياسي إلى خطابه الملوّث، وتكتشف الجماهير من جديد أنّ الاختلاف لا يُطاق إلا في الملصقات الأممية، ويتبيّن للجميع أنّ التسامح يشبه الضيافة في بعض البيوت: يُمارَس بحفاوةٍ أمام الضيوف، ثم يُطوى مع غطاء الطاولة.

ويستمرّ تقويم الأمم المتحدة في محاكاة متحف للضمير المؤجَّل: اليوم العالمي للطفل (20 نوفمبر) اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة (25 نوفمبر)، اليوم الدوليّ للتضامن مع الشعب الفلسطيني (29 نوفمبر)، يوم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الكيميائيّة (30 نوفمبر). وغيرها من أيامٍ تشهِرها المنظومة الأمميّة على مدار هذا الشهر، ثمّ على مدار الشهور الأخرى، وكأنّها تتخلّص من تأنيب الضمير، بوساطة سلسلة اعترافات "احتفاليّة" بُهْرُجيّة، سرعان ما تُنسى بعد إطفاء الكاميرات.

أُنشِئت الأيّامُ الدوليّة، نظريّاً، لتذكير البشريّة بما نسيتْه بين نشرات الأخبار وخصومات السياسة وأدغال الخبز، لكنّها تحوّلت عمليّاً إلى احتفال ضخم باللاشيء: تقويمٌ مُعلّق على جدار كوكبٍ غريب الأطوار. يتباهى باليوم العالمي للسلام بينما يُصنِّع الأسلحة على مدار السنة. ينوّهُ باليوم العالمي للاجئين بينما تُغلَق الحدود وتُغرَق القوارب. يَمدح البيئة، وهو لا يتوقّف يوماً عن تلويثها وتلغيم مستقبلها.

ليست المشكلة في كثرة الأيّام الدوليّة، بل في ندرة الأيّام "الحقيقيّة"، تلك التي لا تحتاج إلى شعار كي تكون إنسانيّة. قرابة الـ 220 من الأيّام الهاطلة كالأمطار، الشبيهة بإعلان النيّات، وكأنّها موجودة بسبب بثور يُراد إخفاؤها خلف ملصقات برّاقة، معلّقة في شوارع مليئة بالنفايات. لقد صار العام مزدحماً بأيام التذكير، بينما ما تبقّى منه محجوز للنسيان. وكأنّ الأمم قد استبدلت الأفعال بالملصقات، والضمير بالهاشتاغ.

إلّا أنّ عليك أن تعترف بأنّك، رغم كل شيء، تريد أن نصدّق أنّ العالم قابل للتغيير. أن الخطاب، مهما كان أجوف، قد يتحوّل يوماً ما إلى فعل. أنّ الاحتفال الخالي من المضمون قد يلتقي جذوةً من فرح، إذا أنتج المحتفلين اللائقين به. وأنّ عليك أن تضحك، لأنّك تعرف أنّ الأمل لا يموت. ولعلّ المشكلة في كلمة "احتفال" نفسها، فالعالم لا يحتاج احتفالاً، بل تغيّراً جذريّاً. وإلى أن يحدث ذلك، سيواصل كلّ متساكنٍ من المتساكنين في هذا العالم تظليلَ مربّعٍ جديد في التقويم: "اليوم العالمي لكذا". تقرأه، وتبتسم، وتشارك منشوراً، ثم تطفئ الشاشة وتعود إلى الحياة، ربّما لأنّ العالم لا يحتاج "يوماً عالميّاً" لهذا الشيء أو ذاك، بل إلى يومٍ واحدٍ حقيقيّ: يوم لا يُعلَن في الصحافة، ولا يُحتفل به في القصور، يوم يُقرِّر فيه البشر أن يعيشوا كأنّهم أممٌ متّحدة حقّاً، لا أممٌ محتفِلة بلا شيء.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.