منظوماتنا السياسية ودوغما الشراكات الهجينة

منظوماتنا السياسية ودوغما الشراكات الهجينة

06 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

تشهد المنظومات السياسية السائدة في بلادنا العربية اليوم مزيدا من الإغراق في مستنقعاتٍ إحدى سماتها الأبرز تلك الفوضى التي تحكم خياراتٍ، قلّت نظائرها في عالم الأنظمة السياسية ومنظوماتها السياسية التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، وأرست أنظمةً سياسيةً على اختلاف توجهاتها السياسية والأيديولوجية، التابعة بمجموعها لهذا المعسكر الشرقي أو ذاك الغربي، لا تختلف من بينها تلك الأنظمة الرئاسية عن تلك البرلمانية، فهذه كلها تحوّلت إلى "دوغما أنظمة" هجينة، سقطت جميعها من عالم الأنظمة، بمعنى "السستيم السياسي" إلى عالمٍ من الفوضى الجذّابة للمال والسلطة التي أنتجت طغيانا واستبدادا، أضاعت عبره المنظومات السياسية الحاكمة كل صلةٍ لها بعالم السياسة أو الانتماء السياسي، منذ اختفت أنظمة "عدم الانحياز" بإغراقها في فوضى انحيازاتها التي لم تختلف عن خيارات أنظمة الانحياز والتبعية، حتى صارت جميعها في الحكم والسلطة سواء؛ فلم يعد النظام الرئاسي كذلك، ولا النظام البرلماني أيضا كذلك، وكلاهما يغرق ويحفّ بهما عالم الاستبداد والدكتاتورية والشراكات والتحاصصات من كل جانب، حتى ضاعت الحدود بينهما كليا، في غيابٍ لكل المعايير والقوانين الدستورية الناظمة لقيام الدول.

لهذا لم تعد الأنظمة السياسية السلطوية في بلادنا تنتمي إلى عالم الحكم الرشيد، كما لم تكن منذ البداية كذلك، بقدر ما كان تناسلها على الحكم والسلطة يأخذ مناحي القوة، وبقيت تحكم بالغلبة وبالسوط والسيف، وبسرديات فقهاء السلاطين وتقولاتهم وتأويلاتهم، وهي تزيّن للناس أكاذيب عارية، ما فتئت أن تحوّلت مع الزمن، وبفعل ارتكابات سلطة الأمر الواقع الدينية، إلى "أيديولوجياتٍ مقدّسة" باتت هي المرجع الأول للسلطة غير الراشدة عبر عشرات مئات من السنين التي انقضت، من دون أي نقدٍ أو مراجعة، أو السماح بهما، أو محاولة إصلاح أو تغيير أحوالنا من تردّيات التخلف والقطيعة مع العقل، إلى منارات الحداثة والتقدم والتحضر الحقيقي والثقافة المستنيرة.

لم يبق من الدولة سوى "الهلام وسقط الكلام" ويوتوبيا نزوع الدولة إلى "العظمة" فيما هي تتحوّل إلى سلطة استبداد واستغلال

في عصرنا الحديث، وعلى الرغم من ادّعاءات الحداثة وتفسيراتها، وتغليفها بأزعومات "القشور" لم يبق من الدولة سوى "الهلام وسقط الكلام" ويوتوبيا نزوع الدولة إلى "العظمة" فيما هي تتحوّل إلى سلطة استبداد واستغلال، عملت على ترذيل الوطن والمواطنة، حيث تحوّلت وتتحول أنظمة سياسية عديدة من نظام دولة المواطنين إلى أنظمةٍ/ شركات وظيفية تابعة، في خدمة سياساتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ وعسكرية، لصالح قوى إقليمية أو دولية، تتناحر وتتناتش في تنافسها على استراتيجيات هيمنة، تروم الاستيلاء على مقدّرات المنطقة ومناطق أخرى مجاورة، كما هو حاصل اليوم في التناتش الأميركي الإيراني الواضح، وفي الصراعات الأميركية الروسية الصينية المستترة أو المموّهة، كما في مجال التنافس الحادّ على الاقتصاد والصناعة والتجارة والمجالات الصحية، والاستحواذ على الثروات والمواد الخام والاستثمار في الأنظمة السياسية التابعة للقوى الكبرى التي أضحت مراكز نفوذٍ أشبه بالمستعمرات.

ومع الوقت، تكشفت الدولة عندنا عن بنيانٍ غير مرصوص، لا بشري ولا مادي، وسقطت معها كثير من قيم السياسة والدولة وأخلاقياتهما، بفعل إغراق السلطة بمروقها ومروق أهلها واستغلالهم مواقعهم ونفوذهم في السلطة لمزيد من نهب المال العام وجني المكاسب الحرام، فيما هم يقتّرون على شعبهم، بل وسرقتهم واستغلال حاجاتهم لمصالحهم الخاصة من دون وجه حق، سوى حق الاستيلاء على ما ليس من حقهم. وهكذا أوجدت السلطة في بلادنا ما يشبه الكيمياء الخاصة بها، وحكمت من خلالها بالغلبة والإخضاع، ولم تنس أن تبقى عصيةً على أي إصلاح أو تغيير، طالما تطلبت وتتطلب مصالحها احتكار السلطة وتقاسمها محاصصات زبائنية مع شركاء لها ومع آخرين من المتنفذين والتجار والسماسرة وأصحاب المال ورؤوسه وأطرافه ومافياته، حتى تلك القابعة خارج السلطة، الأمر الذي جعل من الدولة مرتعا خصبا لنهب الأموال العامة، وتقديم خزائنها خاويةً من جيل إلى جيل، كما من حكومة إلى حكومة.

اليوم، نعيش في ظل النظام الدولي الجديد أو المتجدّد، وحتى المستجد بأقطابه القدامى والجدد، الذي دشّنته الولايات المتحدّة بصعود قطعان من "محافظيها الجدد" إلى السلطة في البيت الأبيض، وحتى مجيء دونالد ترامب، واستئنافه محاولاته إرساء "نظام دولي" جديد على أسس أكثر وضوحا، وأكثر وحشيةً وهمجية، جرت تحولاتٌ انقلابية عديدة على الصعيد الدولي، بما أضفته من تأثيراتٍ عميقة ضد الدولة، وقد زادتها جائحة كورونا، بتداعياتها الرهيبة التي سلبت الدولة/ الدول كثيرا من جوانب الاستقلالية، وحطّمت عديدا من أسوار السيادة، حتى باتت هذه أو تلك من الدول أكثر احتياجا للخارج، والارتهان التبعي للأقوى دوليا وإقليميا.

تكشفت الدولة عندنا عن بنيانٍ غير مرصوص، لا بشري ولا مادي، وسقطت معها كثير من قيم السياسة

هذا كله ولم تنته بعد محاولات تحويل الدولة الأميركية إلى "شركةٍ عظمى"، بعدما بهت دور "الشرطي الأعظم" الذي عاشت في ظله الولايات المتحدة سنواتٍ طويلة، بدءا من حروبها الداخلية مرورا بحروبها الخارجية، وأبرزها حرب فيتنام التي خرجت منها تجرّ أذيال الخيبة، بعدما فشلت في تحويلها دولةً تابعة؛ وها هي اليوم تكرّر تجربة فشل أخرى في أفغانستان، بعدما أعياها الفشل العسكري مرة أخرى، وربما يتّجه البيت الأبيض، بغض النظر عن ساكنيه، إلى محاولة تطبيق سياسة ترامبية معدّلة، قوامها اعتماد سياسة "الشركة العظمى" والشراكات التجارية والصناعية والسياسية والاقتصادية والأمنية، على ما هو حال الشراكات الزبائنية مع كل المنافسين من الدول الكبرى، ولو مع روسيا والصين، وربما اليابان وبعض النمور الآسيوية الأخرى، فلربما يكون هذا الطريق الأنجع والأسرع في تحقيق ما فشلت السياسات الأمنية والعسكرية في تحقيقه، ماضيا وحاضرا.

هذا على المستوى الدولي. أما على مستوى المنطقة العربية، ومحيطها الإقليمي وفي القلب منها نظاما تركيا وإيران، فقد تسعى واشنطن إلى التصالح مع مصالحها المشتركة في كلا البلدين، كما هي فاعلة في تركيا، وكما قد تسعى إلى فعله مع إيران، طالما هي لا تسعى إلى فتح جبهةٍ عسكريةٍ مباشرة مع طهران. وما هذا الصعود والهبوط في مفاوضات الملف النووي، سوى التوجه الأبرز لتلافي الأسوأ، على الرغم مما يجري في سورية من توجيه ضربات صاروخية إسرائيلية ضد أهداف سورية أو قواعد ومليشيات تابعة لطهران أو لحزب الله اللبناني، وهذه كلها مناوشاتٌ تحذيريةٌ لا توجهات نحو فتح جبهة عسكرية في سورية، وبالطبع ليس لخوض حرب أميركية مع إيران، على الرغم من التمنّيات الإسرائيلية بالوصول إلى هذه المرحلة. لكنّ واشنطن ما بعد السقوط المدوّي لعهد ترامب، لم تعد تعمل طوع مصالح الآخرين، بقدر ما تسعى إلى تأمين مصالحها الخاصة، وإن بعيدا عن مصالح الحلفاء.