مناهضو الانقلاب في تونس كثيرون

مناهضو الانقلاب في تونس كثيرون

20 سبتمبر 2021
الصورة

متظاهرون في العاصمة تونس ضد إجراءات قيس سعيّد (18/9/2021/الأناضول)

+ الخط -

تكاد تونس تطوي الشهرين من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في اختراق جسيم للدستور. ومع ذلك، لم يُدرك الناس الخطر الداهم الذي استند إليه، حسب تأويل غريب منه لما ورد في الفصل الـ 80 من الدستور. وهو إذ يُحجم عن ذكر هذا الخطر، ولا يحدّده صراحةً، إنما يعمد إلى هذا اللبس، حتى يظلّ حرّاً في تأويل ذلك الخطر وتكييفه كيفما شاء. كان الناس يعتقدون، من تلميحاته، أن الخطر الداهم هو حالة الوباء التي حصدت أرواح آلاف من التونسيين، غير أنه نفى ضمنياً هذه الفرضية، حينما صرّح، قبل أيام، بأن البرلمان هو "الخطر الجاثم". ومع ذلك، فإن الأداء السيئ للبرلمان، وما اعترى جلساته من تهريج متعمّد، انتهجته زعيمة الحزب الحر الدستوري، النائبة عبير موسي، لترذيل التجربة البرلمانية والمسار الديمقراطي برمته، لا يشكل خطراً داهماً حقيقياً يستوجب انتهاك الدستور وتجميد البرلمان، خصوصاً أن البرلمان، على علاته تلك، ظل يؤدّي وظيفته التشريعية، وهو الذي نظر في مئات مشاريع القوانين وسنّ عديداً منها، فضلاً عن إقراره ميزانية البلاد والقروض التي صدّق عليها وقوانين أساسية مهمة، مثل قانوني الاقتصاد التضامني وتشغيل من طالت بطالتهم. وليس غرض الكاتب هنا الدفاع عن البرلمان، بل استبعاد أن يكون هو الخطر الداهم الذي يجيز غلق أبوابه وسنّ سلسلة من إجراءاتٍ استثنائيةٍ، ذات منحىً تسلطي لإعادة البلاد إلى مناخات الخوف والاستبداد.

تحول الرئيس سعيّد إلى حاكم بأمره، لا رادّ لكلماته. فخلال الأسابيع الأولى على "إجراءات 25 جويلية"، مُنع آلاف الناس من السفر

تتالت إجراءات سعيّد، وقد جمع بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وعين وزراء أدّوا أمامه اليمين، وأقال آخرين. داهم بنفسه مخازن مواد فلاحية ومواد بناء، بشبهة الاحتكار. وسنّ مراسم اقتراض من البنوك الداخلية، المنهكة أصلاً، من دون أن يمرّ بأي سلطة تشريعية، وهو يعلم أن ذلك لن يتاح إذا توجّه إلى منظمات إقراض دولية، وأغلق مقرّات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
تحول الرئيس إلى حاكم بأمره، لا رادّ لكلماته. فخلال الأسابيع الأولى على "إجراءات 25 جويلية"، مُنع آلاف الناس من السفر: وزراء ونواب ورجال أعمال ورؤساء جمعيات رياضية، وطاولت تلك الإجراءات حتى أبناءهم وأقاربهم ممن لهم حاجة عمل أو دراسة أو علاج في الخارج. يجري ذلك كله، والقضاء قد برّأ عشرات ممن شملتهم إجراءات متعسّفة تعلقت بتهم بالاحتكار والدعوة الى التباغض. إلى هذا، في أحد تقاريرها قبل أيام، تؤكد الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري، وهي عمومية مستقلة، أن الإعلام التونسي يضرب عرض الحائط بقواعد المهنية والموضوعية، حينما منح أكثر من أربعة أخماس مساحة التغطية الإعلامية لمناصري الانقلاب، فضلاً عن احتكار مؤسسة الرئاسة المادة الخبرية.
في هذه المناخات، بدأت الأحزاب والجمعيات، وهي تستشعر الخطر الحقيقي الداهم، الاستبداد والإفلاس، تتلمس مسالك التصدّي لهذه الردّة عن الديمقراطية. ولا يُنكر عاقل حالة الصدمة التي ضربت الجميع خلال أكثر من أسبوع، فيما الشرخ المجتمعي الذي شقّ البلد طولاً وعرضاً منذ انتخابات المجلس التأسيسي يتعمّق، وما نجم عنه من صعود حركة النهضة وحلفائها آنذاك.

يبدو تحرّك الشارع مؤشّراً مهماً على إصرار مناهضي الانقلاب على تجاوز حالة الشلل التي أصابت الجميع

عجزت النخب السياسية والثقافية خلال هذه العشرية عن إعادة صياغة الثقافة السياسية في ضوء نتائج الانتخابات المتعاقبة، بقطع النظر عن الفائز فيها، علاوة على رفض دوغمائي لمسألة الشراكة السياسية الحقيقية، ما أجبر بعضاً ممن فاز أو انهزم على عقد توافقات غير منسجمة مع ما تبشّر به تلك الأحزاب ذاتها من مقولات ومبادئ. جرى التحايل على النتائج، فلم يحكم بالضرورة من فاز، وحكم من لم يفز أصلاً. وكان ذلك درساً بيداغوجياً سيئاً لأجيال عدة، وهي ترى الحاكمين لا يتلاعبون بقواعد اللعبة فحسب، بل بالمبادئ ذاتها.
كان صراع الديكة هذا مؤذياً للجميع، فرقاء وقيماً وحاضنة لتجربة الانتقال الديمقراطي ذاتها، حتى جاءت الشعبوية التي تسللت من هذا الملل من الديمقراطية ونخبها ومنظماتها وهيئاتها. هلّل هؤلاء للانقلاب، ولاذ خصومهم بالصمت تحت وطأة الذهول والصدمة. ولكن، يبدو تحرّك الشارع أول من أمس السبت مؤشّراً مهماً على إصرار مناهضي الانقلاب على تجاوز حالة الشلل التي أصابت الجميع. لم تكن الوقفة التي انتظمت في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة ضخمة، ولا يبدو أن منظميها قد طمحوا إلى ذلك. كانت غايتهم التدرّب على استعادة الشارع، والتحرك فيه بكل حرية، وثقب جدار الصمت والخوف الذي لا يليق بنخبٍ تمرّدت على أعتى أنظمة الاستبداد. سيدفع هذا التحرك بقية الطيف الواسع الذي عدّل من مواقفه خلال الأيام الأخيرة باتجاه رفض الانقلاب، والبحث عن وضع قوسين له ولو بعد حين، على الرغم من عمق الخلافات بينهم.