مناطق ترامب الاقتصادية

13 ديسمبر 2025
+ الخط -

نغمةُ "مناطق الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتصادية"، وتعميمُها بشكلٍ أو بآخر في أقاليم عدّة بالعالم، لا توحي بأكثر من أمرَيْن: الأول، إثبات نجاعة الدولار في ظلّ نظريات المؤامرة التي تفشّت (وما زالت) بعنوانٍ أزلي: "الدولار ينهار". الثاني، ترسيخ ترامب نفسه شخصاً فوق الرؤساء الأميركيين كلّهم، وتحوّله إلى "أنا أميركا وأميركا أنا". من هنا فصاعداً، يُصبح "مباحاً" للرئيس الأميركي فرض اتفاقات سلام متنقّلة، معرّضة للفشل لا للاستمرارية.

في الصراع التايلاندي ـ الكمبودي، أكثر من مجرّد اجتماع بين رئيسَي وزراء البلدَيْن، التايلاندي أنوتين تشارنفيراكول والكمبودي هون مانيت. هل تتيح الاتفاقية القضاء على "جذور المشكلة"، وهي عبارة يحلو للروس تردادها في سياق آخر؟ لا، لم تُتح ذلك. ستبقى الخلافات الحدودية بينهما حتى اقتناعهما معاً برسم خريطة طريق جغرافية ـ سياسية معاً.

كذلك، تحدّث ترامب عن إنجازه اتفاقاً بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، لكنّه كان نسخةً أفريقيةً من الاتفاق الآسيوي. بين الكونغو الديمقراطية ورواندا تاريخ متوارث من خلفيات استعمارية وقَبَلية واجتماعية ومواردَ طبيعية. لن تُحلّ مثل تلك المشكلة بحسابات ترامبية. في أوكرانيا، يسعى ترامب لفرض اتفاق يناسب نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم يتمكّن، سوى بشقّ الأنفس وبمعونة كوريا الشمالية وبتأييد من ترامب، من التقدّم في الشرق الأوكراني. ومهما كانت طبيعة الاتفاق المُرتقَب، ولو وقّعته كييف، فإنه سيكون بمثابة قنبلة موقوتة، كما في حالتي كمبوديا وتايلاند، والكونغو الديمقراطية ورواندا. أمّا في غزّة، فإن الاتفاق الذي دفع إليه الرئيس الأميركي، إلى درجة أنه يفسح المجال لإنشاء مسارٍ لدولة فلسطينية، ورغم غموضه، لن يصمد أبعد من تسليم آخر جثمان إسرائيلي موجود في القطاع إلى إسرائيل. ترامب والعالم يعلمان ذلك.

لماذا يقوم ترامب بهذه الخطوات؟ لأن سعر البيض في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً، عكس ما تعهّد به في حملته الانتخابية في 2024. وأيضاً لأن التعرفات الجمركية لم تؤدِّ المطلوب منها لإنعاش الاقتصاد الأميركي بشكلٍ كافٍ. وهو ما يظهر في تناقضاته الاقتصادية؛ تارةً ينصح الرئيس الأميركي القارّة الأوروبية بالتخلّي عن الطاقة الروسية، وتارةً يدفعها إلى العودة إلى التفاهم مع الروس بشأن هذه الطاقة. في الحالتَيْن، يبدو ترامب وكأنّه يعمل على وقع عشوائية ما، قد تكون مدروسةً ربّما، لكنّها عشوائية ستُفضي، مع انتهاء ولايته في يناير/كانون الثاني 2029، إلى فوضى عالمية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع. لن يكون بطل سلام كما يرغب، بل إنه في طريقه إلى التصرّف شريفاً في غربٍ أميركي، يستولد قمعاً في أقاليم عدّة في العالم ستنقلب عليه في مرحلة ما.

لا يتعلّق الأمر بكيفية استخدام قوة النظام الأميركي إلى أقصى حدٍّ، والاعتماد على قرارات المحكمة الأميركية العليا لتوسيع الصلاحيات، بل يتعلّق بكيفية إدارة مكامن القوة هذه في ظلّ أركان إدارة من الخاضعين للرئيس الأميركي من دون إبداء رأيهم. ترامب الولاية في الثانية مغايرٌ لترامب في الولاية الأولى بين عامي 2017 و2021. في الأولى، كان يُمكن لشخصيات مثل جون بولتون ومايك بومبيو ومايك بنس وجيمس ماتيس وريك تيلرسون ومارك إسبر منع ترامب من التمادي في خططه، لكنّه في الولاية الثانية اختار فقط من يقول له "نعم".

هنا المخاطرة الكبرى... تركيز القوة الأميركية كلها بيد شخص مهيمن على حزبه، ومدعوم من الكونغرس بغرفتَيه، ويعدّل الدوائر الانتخابية في عدّة ولايات، ويصافحه عمدة نيويورك زهران ممداني في البيت الأبيض، يشرّع الباب أمام فوضى قرارات لن تنقذها مناطق اقتصادية حول العالم. الأغرب أن قصّة الولاية الثانية لا تزال في بداياتها، وهي مُعرَّضةٌ للتوسّع والتمدّد، ومع أن مثل هذه الفرضيات قد تُفضي إلى تفكّك نفوذ ترامب، لكنّها ستدفعه أيضاً إلى اتّخاذ خطوات أكثر خطورة، يصبح معها 6 يناير/ كانون الثاني 2021 مجرّد مزحة أمام ما هو قادر على إشعاله.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".