ممالك الأشياء الاعتيادية
(Getty)
تحتوي المكتبة العالمية على عدد لا يحصى من الكتب التي تبحث في تاريخ العالم الحقيقي، تاريخ السكّر والملح والقهوة، وتاريخ المطبخ والنحت والأرداف، والجمال والألم والخوف، والحياة اليومية في مصر القديمة وإسبرطة وروما، ومعجم الطبيخ والمآكل في العصر العباسي، والطاعون في العصر الأموي، وتجارة الصوف في أوروبا القرن الرابع عشر، وصناعة الجبن في الألف الرابع قبل الميلاد. يتحوّل كثير من هذه الكتب إلى أفلام وثائقية، ولهذا النوع خبراء يظهرون ضيوفاً على منصّات البودكاست، ويتحدّثون بإسهاب جذّاب عن حكايا موضوعهم.
يهتم الناس بهذا النوع من المعرفة، ويتلقّونها بشغف لم يسبق له أن بلغ هذا الاتّساع في أيّ حقبة سابقة، وصاروا يفضّلون وثائقياً عن النمل على وثائقي عن الحرب العالمية الأولى، وريتشارد فاينمان على هتلر، وباستور على نابليون.
ضجرُ الناس من الحروب والسياسة وصراع الممالك لا يكفي وحده لتفسير هذا الانتقال في مركز الاهتمام، بل ربّما ساعدت الحياة المعاصرة على فتح عيوننا على ما يستحقّ الاهتمام حقّاً، وإدراك أنّنا لسنا نتاج انتقال التاج من رأس إلى رأس، ولا معارك الجيوش وصراع العروش، بل نحن نتاج ما نأكل ونستخدم، وما اعتقده أجدادنا، وما عالجوا به أمراضهم، وحسّنوا به مزاجهم، نتاج مراقبتهم للمناخ، ومهارتهم في التعامل مع أمراض الماعز وأشجار الجوز، والصخرة التي تسدّ الطريق المختصر نحو النبع.
في تراثنا العربي، حظيت كتب بحضور كبير، وخلود استمرّ قروناً، لأنّها تحكي عن الناس، وعن حياة الناس. ولدينا فرع كامل من الثقافة العربية اسمه كتب الأخبار، وقد وصل إلينا شابّاً فتياً طازجاً لا يزيد عمره على ألف عام، يحكي لنا من خلاله مثقفو القرن العاشر، وما تلاه، عن حياة الناس، عن غبائهم وذكائهم وغرائبهم وطرائفهم وصفات طعامهم، وعن شكل لباسهم وصفقات بيع نوقهم وأسماء خيلهم. وكتاب مثل "أخبار الحمقى والمغفّلين" لابن الجوزي، المكتوب في القرن الثاني عشر، ما زال حاضراً، ويكاد ينافس "شاهد ما شافش حاجة" في القدرة على إضحاك المتلقّي. وكتاب مثل "طوق الحمامة في الأُلفة الأُلّاف"، لابن حزم الأندلسي، ما زال قادراً على منافسة فرويد ولاكان ونزار قباني وأراغون في شرح الحبّ ومعانيه.
على الرغم من كراهية المصنِّفين والورّاقين العرب لابن وحشية النبطي لأكثر من ألف عام، واتّهامه بالشعوبية وكراهية العرب والتلفيق والانتحال، لم يُحذَف من سجلّ الذاكرة العربية، ولم تختفِ مؤلَّفاته، وكتابه "الفلاحة النبطية" ما زال متاحاً، ومرجعاً أساسياً يدهش كلّ مهتمّ بالتاريخ القديم للناس. وقد نقل في هذا الكتاب الخبرات الزراعية لبلاد ما بين النهرين من اللغات القديمة إلى العربية، وتكمن أهمّية الكتاب في أنّه من أقدم النماذج في العالم لهذا النوع من التأريخ. فحين كانت بابل تخوض حرباً على مملكة ماري، وتنقل مركز الحكم شرقاً، كان هناك من يراقب ويدوّن ملاحظاته عن غرس فسائل النخيل، أو يوثّق تجربةً ناجحةً في رفع مياه النهر إلى الأعلى. وحين كانت الممالك الكلدانية والآشورية والحثّية تتناوب على السيطرة والانقلابات، كان هناك من يدوّن طريقة دقّ حبّات الحُمّص المنقوعة مع حبّات السُمسم لصنع طبق الحُمّص المطحون، الذي نتصارع مع يهود إسرائيل على نسبه في القرن الحادي والعشرين.
في كلّ قرية في العالم هناك تاريخ محلّي محفوظ، يتوارث أهلها حكايةً عن جدّ تلك العائلة، وعن رحلته إلى أقاصي الشمال، وغيابه سنواتٍ، وعن الغرسة الغريبة التي جلبها معه، وصارت الآن حقول الزيتون التي تمتاز بها القرية، وتصنع معيشتها وهُويّتها ونمط علاقاتها ببعضها وبالعالم الخارجي. والأمم لا تختلف كثيراً عن القرى، بل حتّى البشرية كلّها هي قرية عبر منها جيش في طريقه إلى حرب جيش ثانٍ، لكنّ ذاكرتها تحتفظ أكثر بتاريخ الأشجار والأشياء والمشاعر. وتحافظ عليها وتنقلها من جيل إلى جيل.
ومن فضائل الجيل الحالي أنّ بين يديه من التكنولوجيا ما يسمح له بأن يعيد رواية التاريخ البشري كما هو حقّاً: تاريخ الأشياء الاعتيادية.