ملك البندورة

ملك البندورة

17 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لم تكن محض "بندورة" يزرعها ويقطفها ويبيعها في دكانه الصغير في سوق الخضراوات والفاكهة، ولا هي مجرّد مهنة يعيش منها وعليها، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير؛ إذ غيرت "البندورة" مجرى حياته برمّته، عندما أدرك أن هذه الحبّة الحمراء تحمل إرثاً إنسانيّاً ضارباً في مجاهل التاريخ، وعرف أنها كانت، ذات عصور غابرة، "فاكهة الملوك"، قبل أن تجرّدها العصور المتقدّمة من فرادتها، وتنقلها من قائمة الفاكهة إلى قائمة الخضار، فلا تثير فضول المشتري كثيراً، وهو يقلّبها بتأفّف على بسطات الباعة، ثم يختار منها بضع حبّاتٍ، وينحّي الأخرى جانباً، وسرعان ما ينتقل إلى صنفٍ آخر.

آنذاك، قرّر هذا العاشق "الأحمر" أن يعيد للبندورة اعتبارها، ويجعل من العناية بها معركة مصير بالنسبة إليه، بدليل أنه خصّص لها مكان الصدارة في دكّانه إلى جانب أصناف الفاكهة الأخرى، وحرص على تغليفها بأوارقٍ شفافة، كما يغلف الإجاص والجوافة والفواكه المميزة الأخرى باهظة الثمن، لكن بأسعار السوق، طبعاً، كي لا يتجنّبها المشترون.

وبالفعل، استحوذت بندورة صاحبنا على اهتمام المشترين الذين أصبحوا يقبلون عليها من دون المحال الأخرى، منبهرين بطريقة عرضها، حتى إنهم باتوا على قناعةٍ بأنها صنفٌ مغايرٌ لكلّ ما ألفوه من قبل، واقترن المبيع بالبائع، فغدا لقب صاحبنا "ملك البندورة" بلا منازع، ما أفضى، في نهاية المطاف، إلى تفاقم إحساسه بالزهو، معتقداً أنه أعاد الاحترام المفقود لبندورة العصر.

ولا يدري كيف خطر في ذهن صاحبنا أن يوسّع دائرة احترام البندورة، ليعيدها إلى عرشها القديم، فخامرته فكرة إهداء عبوةٍ يوميةٍ منها إلى رئيس الدولة، علّه يتنبّه، هو الآخر، إلى مجدها الغابر، وتعود مجدّداً "فاكهة الملوك" كما كانت عليه في عصور خالية، وعندها سيكون قد أكمل رسالته التي سخّر نفسه من أجلها.

تملّكته الفكرة تماماً، وصمّم على تنفيذها، وما هي إلا أيامٌ معدودات، حتى كان يحمل أول عبوة من البندورة، في صندوقٍ فخم بلا غطاء، كي يترك لحبّات البندورة أن تقدّم نفسها للرئيس، واتّجه إلى باب القصر، طالباً من الحرّاس تمرير الصندوق لفخامته، مع بطاقةٍ تحمل أحرّ مشاعر التوقير والتبجيل، موقّعة باسم "ملك البندورة".

استغرب الحرّاس، بادئ الأمر، من هذا "المختلّ" الذي يحمل عبوة بندورة، لتقديمها لرئيسٍ آخر اهتماماته البندورة و"ملكها"، لكنهم قرّروا أن يكملوا "النكتة" إلى آخر طرافتها، فحملوا العبوة إلى داخل القصر ووضعوها في مكتب الرئيس، وفي اعتقادهم أنهم سيُدخلون السرور إليه، خصوصاً أنه لا يزال عابساً ومكتئباً منذ أيام، ويستشيط غضباً لأتفه الأسباب، من دون أن يعرف أحدٌ في القصر سبباً لهذا الغضب المباغت الذي حلّ بسيدهم.

وعلى عكس ما توقّعه الحراس، ما إن ولج الرئيس مكتبه ورأى صندوق البندورة ماثلاً أمامه، حتى أصيب بحالة رعب غير مألوفة، وتراجع إلى الوراء كمن يرى جنيّاً أو شيطاناً، وسرعان ما خرج من مكتبه مهرولاً وهو يشتم ويلعن، ويسأل عمّن تجرّأ على وضع "البندورة" في مكتبه .. كان كمن يرى البندورة أول مرّة في حياته، وبعدما أعدم الحرس واستبدلهم بآخرين، جاء أول مرسوم يصدره عقب ذلك، بسرعة استبدال اسم البندورة بـ"الطماطم" أو أي مسمّى آخر، مع تنفيذ القرار على وجه السرعة في عموم البلاد. وامتثل الجميع للأمر، بما في ذلك وزارة التربية التي حذفت اسم البندورة من الكتب المدرسية، بينما نُفّذت حملات همجية على محال الخضار والفواكه لتغيير مسمّاها، وكان محلّ صاحبنا أولها بالطبع، لكونه سبب المصائب.

لم يصدّق ملك البندورة، وهو يسمع الأمر السلطانيّ، واحتاج وقتاً طويلاً ليستوعب أن عليه تغيير الاسم إلى "طماطم"، وعندما رفض تغييره، عرضوا عليه أن يغيّره إلى أيّ اسم آخر، باستثناء "البندورة"، مع إمهاله أربعاً وعشرين ساعة للتعديل، تحت طائلة إغلاق محله والفتك به. بعد تفكير شاقّ، لم يكن أمام المسكين خيار سوى الامتثال لأوامر "الرئيس" التي لا تتكرّر مرّتين، فتوصل إلى مقاربةٍ حاول فيها المزاوجة بين الاسم المولع به واسم آخر يشبهه، غير مدرك أن هذه المقاربة ستقوده إلى حتفه، فقد اختار أن يضع لافتة فوق كوم البندورة، مدوّنة عليها كلمة "باندورا".