ملتقى الفشل الليبي المتكرّر

ملتقى الفشل الليبي المتكرّر

11 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

ما إن انطلق حوار الملتقى الليبي في جنيف في الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، إلا وكانت علامات فشله تلوح في الأفق، غير أن هذا الفشل المتوقع لم يكن أحدٌ ليتوقع أن يكون منعدم النتائج على الإطلاق، باعتبار أنه مُهّد له منذ مدة ليست قصيرة، فالقاعدة الدستورية التي يجب أن تكون جاهزة ومعتمدة من لجنة الـ 75 (أعضاء ملتقى الحوار) المختارين أممياً، قد خرجت للعلن في شكل مسودة ناقشها مثقفون ومهتمون كثيرون، لعل فيها شيئاً من التوافق أو حتى الاقتراب وانتهاء الانقسام، إلا أن ما حدث في الملتقى، أخيرا، أتى بمقترحات جديدة للقاعدة الدستورية، ليس فيها من التوافق إلا اسمه أو شعاره، كما هو واضحٌ من المسوّدات التي خرجت إلى العلن، فبدل أن تُستبعد من هذه القاعدة الإجراءات الجدلية التي تعزّز الانقسام والاختلاف، إذا بها تأتي بكل مواطن الاختلاف وترتكز عليها، وكأنَّ هذا الملتقى أريد له ذلك بطريقة أو أخرى.

إذا، ثمّة خلافٌ كبير بين أعضاء الملتقى في إقرار قاعدة دستورية تسير بليبيا إلى شيء من الاستقرار. ومن الواضح، أيضا، لمتابع الملتقى أن هذا الاختلاف لن يُحسم بسهولة، إلا إذا وُجدت متغيراتٌ دولية تضغط نحو شيءٍ من التوافق باتجاه التسوية وإقرار القاعدة الدستورية بطريقةٍ أو أخرى، وهذا الأمر وارد، غير أن ثمة معضلة أخرى تنتظر القاعدة الدستورية، وهي أن يعتمدها ويقرّها البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، وكل منهما يدفع في اتجاهٍ نحو النظرة الدستورية للبلاد في الفترة المقبلة. وبالتالي، فإن اعتماد المسار الدستوري إن أنجز بشكل توافقي، ولو جزئياً، بين المكونات السياسية المختلفة في البلاد، فإن بداية الطريق نحو الاستقرار تكون قد أُنشئت، إن لم يعترِها عارضٌ بعد ذلك.

من غير المقبول أن تكون القاعدة الدستورية طريقا لعودة العسكر إلى الحكم بطريقةٍ أو أخرى

ربما يُرجع كثيرون عدم التوافق على قاعدة دستورية إلى الاختلاف في نقاطها ومضامينها، وإن كان هذا هو الفيصل العملي في إقرارها أو انعدام إيجادها، لكن الأصح من ذلك إرجاع الخلاف إلى الأصل والمنشأ، وهو في اختيار لجنة 75 التي لم يكن للشعب ولا التيارات السياسية المختلفة شأن في تكوينها، وإنما استفردت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بإنشائها، وبالتالي فإن الاصطفاف فيها بيِّن وواضح من يوم إيجادها، والتوافق فيها ضعيف، وخير دليل على ذلك الحوارات السابقة التي أنشئ من خلالها المشهد السياسي الحالي في البلاد.

كما أن نقاط الخلاف والاختلاف بين أعضاء الملتقي جِدُّ متباينة، ليس في ما بينهم فحسب، بل عند عامّة الشعب الذين يرون في ثورة فبراير خلاصاً من الديكتاتورية وحكم العسكر، فمن غير المقبول بعدها أن تكون القاعدة الدستورية بعد ذلك طريقا لعودة العسكر إلى الحكم بطريقةٍ أو أخرى، كما أن من غير المقبول أن يكون لمنتهكي حقوق الإنسان دور في العملية السياسية في المرحلة المقبلة من عمر الدولة، وهذه أهم نقاط الاختلاف بين أعضاء ملتقى الحوار.

لن تخرج ليبيا من الدوامات السياسية إلا بإيجاد حل واقعي، يمكن أن يطبق في المدى القريب، ويبنى عليه في المدى البعيد

وعند النظر أيضا إلى بنود شكل السلطة التشريعية المقبلة، بحسب القاعدة الدستورية المختلف فيها، نرى أن اللجنة القانونية اعتمدت نظام انتخاب غرفتين للجسم التشريعي المقبل، إذ يتكون من مجلسي النواب والشيوخ، أحدهما في طرابلس والآخر في بنغازي، وكأنهم بذلك يحاكون الوضع القائم في البلاد اليوم من برلمان في الشرق، والمجلس الأعلى للدولة في الغرب باختلاف المهام والنظام. كما أنهم يحاولون تكرار "لعبة" القوائم التي أوجدت السلطة القائمة في الملتقى الحواري السابق، باعتماد نظام القائمة لاختيار رئيس الدولة ونائبه ورئيس الوزراء، وهذا الأمر إن تأتى في السابق لاعتباراتٍ ومصالح تُقدِّم التوافق في عدد محدود من أفراد ملتقى الحوار، فإن تكرار هذا النظام في الانتخابات العامة التي يشارك فيها أفراد الشعب الذي لا يقيم وزنا للتوافق المصلحي أو الحزبي يجعل من فرص نجاحه ضئيلة، خصوصا أن النظرة الشعبية تختلف اختلافا كليا في إيجاد التوافق، بل تسعى إلى الانتصار لتيار معين ترى فيه مشروعا لقيام الدولة وتغليب الثورة، وإن تباينت وجهات النظر في ذلك.

كل هذا الاختلاف والانسداد الذي حدث في الملتقى في جنيف أخيرا مصاحب لتقديم الاستفتاء على مشروع الدستور أو تأجيله، والذي يراه كثيرون، وإن كان عليه اختلاف حقيقي وجاد، مخرجا لحل الأزمة السياسية الدستورية في البلاد، ولو لفترة مرحلية محدودة، بدلاً من إيجاد قاعدة دستورية، ربما لن يكون التوافق عليها بالأمر السهل، خصوصا في وجود تدخلاتٍ إقليمية، لا تريد الاستقرار للبلاد من جهة، والتعديلات التي ستطرأ عليها إن وجدت في كل منعطف سياسي جديد من جهة أخرى. وبالتالي، لن تخرج ليبيا بهذه الطريقة من الدوامات السياسية التي اعترتها طوال السنوات العشر الماضية إلا بإيجاد حل واقعي، يمكن أن يطبق في المدى القريب، ويبنى عليه في المدى البعيد.