ملاحظات عن أدب النكتة

ملاحظات عن أدب النكتة

19 ديسمبر 2021

(محمد شبعة)

+ الخط -

يعتقد محسوبكم أنّ أدب النكتة بلغ أوج ازدهاره مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل. قبله كانت الكتابة تقتصر على الكتّاب المعتمدين لدى الصحف والمجلات، بالإضافة إلى الباحثين والمفكرين الذين يؤلفون كتباً وينشرونها في دور النشر، وهؤلاء ليسوا مرحين ولا أصحاب نكتة بالضرورة، وقرّاء الكتب والصحف والمجلات، هم الآخرون نخبة... وكان كلا الطرفين يتعامل مع أدب النكتة على أنّه ظريف، لكنّه غير مهم، بل يمكن الاستغناء عنه. وقد شبّه الأديب السوري، بوعلي ياسين، أدب النكتة بخبز الشعير الذي كان الناس يضطرّون إلى أكله أيام المجاعات، لكنّهم يذمّونه، لأنّه صعب المضغ، وغير لذيذ... ومن هنا، كان الكتّاب الساخرون المرحون في العالم قلائل، ومعروفين بالاسم، ونكاتهم شائعة يتداولها الناس في مجالسهم، أو أنّها تنشر على قفا أوراق الروزنامة، وبالأخص نوادر برنارد شو. الفعل التغييري الأساسي الذي أوجدته وسائل التواصل، باختصار، أنّها أضاعت الطاسة، فجعلت الكتابة، ومثلها القراءة، شأناً يومياً، غير نخبوي، أي غير مقتصرٍ على الأدباء والنقاد والمفكرين وحفنة صغيرة من القرّاء المهتمين. وأما قيمته، فيلخصها سؤال شهريار شهرزاد: ماذا يصبح إذا تحوّل التراب إلى ذهب؟ قالت: عندئذ تصبح قيمة الذهب بقيمة التراب، يا مولاي.

مع اختراع الهاتف الخلويّ، وانتشاره الواسع بين الناس، وربط وسائل التواصل بشاشته، أصبح في مقدور أي شخص، حتى ولو كان لا يميز بين الخمسة والطمسة، أن ينشر صورة، أو تغريدة، أو بوستاً فيسبوكياً، أو تعليقاً، ويسارع الناس للتفاعل مع منشوره خلال أقل من دقيقة، بطريقة عشوائية لا يُعرف لها رأس من أساس... وهذا، حقيقة، يثير فينا الأسى، نحن الكتّاب الذين أمضينا ثلاثة أرباع أعمارنا نرسل مقالاتنا إلى الصحف بالبريد، وبريد الدول المتخلفة يعتبر الرسائل ملك الذي خَلَّفَهُ الذي آل إليه بوراثة شرعية، ومَن حَكم في ملكه ما ظلم، لذلك يفتحها، ويقرأها، أو يمسح بها الزيت الذي سال على طاولة مكتبه في أثناء تناول الفطور، ثم يعيدها إلى مغلفها ويلصقها، ويتابع إرسالها إلى العنوان المكتوب عليها، أو يتلفها. هو حرّ، فإذا وصلت، بالسلامة، ستوضع في درج مسؤول التحرير، وقد تبقى أياماً ثم تنشر، أو لا تنشر، لأنّ مسؤول النشر يمتلك عقلية رجل البريد، وهو حرٌّ بما لديه، فإذا نُشرت، وكانت تتعلق بمناسبة ما، فإنّ نشرها بعد أسبوعين أو ثلاثة سيجعل قراءتها شبيهةً بتناول الطعام البائت. وبدلاً من أن يشيد القارئ بأفكارها وأسلوب الكاتب في معالجتها، يقول للكاتب: صح النوم.

المفيد ضمن هذه الفوضى العجيبة أنّ أجهزة الرقابة التافهة في بلادنا الغلبانة، التي كانت تتحكّم بمنتجات الفكر والفن والأدب، تلقت ضربة تاريخية، وصار سعرها أقلّ من سعر "الكلاش" العتيق. وصار بإمكاننا أن نقرأ الطرائف والنكات التي تستهزئ بالحكام، العادلين أو المستبدّين، في كلّ لحظة، بالإضافة إلى أنّ بعض الناس الذين يناوبون على وسائل التواصل دائماً ينشرون تعليقات مضحكة، ولا سيما حينما يتحدّثون عن شيء آخر غير الموضوع الذي يعلقون عليه. ومن تجربة الداعي لكم الشخصية أنّ أحدهم قرأ مقالة لي أدافع فيها عن حرية الفكر، فكتب لي: أنت واحد تافه، وأنا كنت أقرأ مقالاتك المملّة إكراماً لخالي الله يرحمه الذي كان يحبك كثيراً، لكن من الآن فصاعداً خسئت، والله لن أقرأ لك حرفاً. وهناك دكتور جامعي لم تعجبه إحدى مقالاتي، فكتب لي: منذ بداية الثورة وأنت تسعى إلى أن تبدو مهماً في نظر الناس، بينما أنت لا شيء... وهناك مثال يبدو لي أكثر طرافة من هذا كله: رجل يكره الديمقراطية ولا يحب أن يتطرّق أحد إلى سيرتها في وجوده، وذات يوم سأله أحدهم: أيش يعني ديمقراطية؟ فقال: يعني أنّ أمك تقلع الحجاب.