ملاحظات على الوضع في سورية قابلة للتعميم عربياً
تختزل الفتنة الطائفية في محافظة السويداء السورية جملة من التحدّيات التي لا ينحصر نطاقها في سورية وحدها، بل قد تجد تعميماً لها في دول أخرى في المنطقة، وهو ما يستدعي مقارباتٍ أمنيةً جديدة تعيد موضعة إسرائيل تهديداً أمنيّاً مطلقاً، لا يمكن الوثوق به حليفاً أو طرفاً محايداً، حتى ولو وُقِّعتْ معه اتفاقات سلام. تتعامل إسرائيل مع المنطقة بأسلوبين. الأول، منطق الوحش الضاري المتأهب دوماً للانقضاض على الفريسة، وهو ما يعني أن الوحش الضاري لا يعترف بشركاء، بقدر ما يقارب الجميع على أنهم منافسون أو فرائس فحسب. الثاني، منطق الفيروس الخبيث والانتهازي، المتأهب دوماً للفتك بأيِّ جسد تَضْعُفُ مناعته، ذاتياً أو لأسباب خارجة عن إرادته، وهو (الفيروس) متى ما استوطن جسداً هزيلاً فإنه يعمل دوماً على إبقائه منهكاً مستنزفاً، فيحرمه فرصة استعادة توازنه وقوته، ومن ثم طرد الفيروس الخبيث منه.
من هنا، تبرير إسرائيل عدوانها على سورية بذريعة "حماية الدروز" فيها، ومحاولتها فرض منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري برمّته، والانتقاص من سيادة الدولة في أراضيها، وربّما تقسيمها مستقبلاً، أمر قابل للتعميم في دول مثل مصر والأردن. أمّا لبنان، فهذا الأمر قائم اليوم بالفعل في جنوبه، بل يمكن الزعم إن هذا الواقع قائم كذلك في شبه جزيرة سيناء منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي تحدّد عدد القوات ونوعية الأسلحة المصرية فيها. لكن الأخطر أن أيَّ ارتباك أو اهتزاز أو فوضى في أيٍّ من دول المنطقة قد تستغلّه إسرائيل للتدخّل فيها، بذرائع شتى، تراوح من مزاعم الحفاظ على أمنها القومي، إلى حماية أقليات دينية أو عرقية، أو حتى سياسية مهمّشة أو مستهدفة.
نعود إلى السياق السوري وما يطرحه من جملة تحدّيات أخرى قابلة للتعميم، ومن ثمَّ الاستغلال والتوظيف من إسرائيل أولاً، وأطراف أجنبية أخرى، ثانياً. أهم هذه التحدّيات التي ينبغي الانتباه إليها عربياً هي المتعلقة بمفهوم الأغلبية والأقلية في سياق المواطنة. ولنكن واقعيين وموضوعيين منذ البداية، ثمَّة مشكلة في مفهوم المواطنة والمساواة بين مكوّنات المجتمع في دول عربية كثيرة، وهو ما ينشئ مساحةً يمكن أن ينفذ عبرها الفيروس الأجنبي المُدمِّر. لكن هذا الخلل البنيوي في هيكل المواطنة عربياً لا يقوم على أسس دينية ومذهبية وعرقية فحسب، بل نجده قائماً على أسس أيديولوجية وسياسية كذلك. مثلاً، هل يمكن لموضوعيٍّ أن ينكر أن المعارضين السياسيين في جُلِّهم، إن لم يكن في كلِّ الدول العربية، لا يتمتّعون بالحقوق نفسها، بينما يطلب منهم واجبات إضافية لإثبات ولائهم ومواطنتهم؟
لا يمكن لمجتمع أو دولة أن يقوما ويعملا من دون أغلبية ومن دون أقلية
مثلاً، من أكثرهم تمتعاً بحقوق المواطنة في مصر، المصريُّ المسلمُ السُّنّي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، أم المصريُّ القبطيّ؟ أظن الإجابة معلومة. الفارق، أن أقباط مصر حين يتم التمييز الجائر بحقهم يجدون من يدافع عنهم دولياً، أمّا المعارضون، حتى ولو انتموا إلى الأغلبية السكّانية في دولة ما، فلا يجدون من يدافع عنهم، إذا كان نظام تلك الدولة مرضيّاً عنه غربياً، كما في مصر، وتونس، والأردن، والسعودية، والإمارات... إلخ. ومع ذلك يختار بعضهم التعامي عن الحقائق، لا عجزاً عن رؤيتها، ولكن تحيّزاً وتواطؤاً.
المتلازمة الأخيرة هي ما نجده في تعامل بعضهم مع الوضع في سورية. هل وقعت انتهاكات وتجاوزات بحقّ الدروز من بعض قوات الأمن والجيش الرسمية؟ قطعاً. لا ينكر ذلك إلا عديم مروءة ومفتقد النزاهة والموضوعية. الأمر نفسه يقال عمَّا جرى في الساحل السوري ضدّ العلويين في مارس / آذار الماضي. وهنا، الدولة السورية مطالبة بأن تتعامل بحزم مع تلك التجاوزات والانتهاكات بحقّ مدنيين على خلفية هوياتهم المذهبية. لكن، بما أننا نتحدّث في سياق الموضوعية والنزاهة، لماذا يصرّ بعضهم على إغفال السياقات والمقدّمات؟ ألم تبدأ اشتباكات الساحل السوري بهجمات من فلول بشّار الأسد على قوات الأمن والدفاع السوري، قتل فيها عشرات منهم بطريقة وحشية؟ ألم يطالب بعض العلويين إسرائيل بالتدخّل لحمايتهم من الحكومة المركزية؟ الأمر نفسه رأيناه يتكرّر في السويداء. أيُّ دولة تلك التي تقبل أن تكون واحدةً من محافظاتها مستقلة عنها؟ وأيُّ دولة تلك التي تقبل أن تصرَّ أقلية مذهبية فيها على أن يكون لها مستوى من المواطنة أعلى من بقية مكونات المجتمع السوري، أغلبية كانت أم أقلية؟
لا يطالب تيار الرئيس الروحي للموحدين الدروز في سورية، حكمت الهجري، بمواطنة متساوية، بل يريد دولة مستقلة في السويداء تكون تحت الحماية الإسرائيلية. "نناشد العالم الحر، وكلّ القوى الفاعلة فيه، ونتوجّه بندائنا إلى فخامة الرئيس (الأميركي) دونالد ترامب، ودولة رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو، وولي العهد (السعودي) الأمير محمّد بن سلمان، وجلالة الملك (الأردني) عبد الله الثاني، وكلّ من يملك صوتاً وتأثيراً في هذا العالم… أنقذوا السويداء". هكذا قال الهجري في بيان أصدره يوم الأربعاء الماضي. لم يكتفِ بذلك المستوى من الاستقواء على الدولة بإسرائيل، ذلك أن الأردن والسعودية أصدرتا بيانين أعربتا فيهما عن دعمهما إجراءات الحكومة السورية لبسط الأمن والاستقرار في السويداء، إذ أضاف "لم نعد قادرين على التعايش مع نظام لا يعرف من الحكم إلا الحديد والنار، ومن السلطة إلا البطش والتنكيل". ما الذي يعنيه ذلك غير التمرّد على سلطة الدولة والسعي للاستقلال عنها، متلفّعاً بالدعم الإسرائيلي العدواني الذي "لبى" نداءه؟
وجد موقف الهجري هذا مؤازرةً من تيّارٍ درزيٍ في إسرائيل هو جزء من منظومة قمعها واحتلالها، بزعامة موفق طريف، ولكنّه وجدَ رفضاً من زعامات درزية سورية ولبنانية وطنية، مثل شيخ عقل الطائفة الدرزية السورية يوسف جربوع، والزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط.
المواطنة أرضية الحقوق والواجبات، بغض النظر عن خلفيات أصحابها الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية
مرّة أخرى، لا جدال في أن المواطنة هي أرضية الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن خلفيات أصحابها الدينية، والمذهبية، والعرقية، والأيديولوجية، والسياسية. لكن هذا لا يعطي للأقليات الحقَّ في أن تتجاوز على حقوق الأغلبية عبر التترّس وراء صورة نمطية تفترض استضعافها، أو عبر الاستقواء بالخارج. حتى الغرب "الديمقراطي" الذي يتعاطى معه بعضهم أنه يقدّم النموذج الأرقى للمواطنة المتساوية، فيه أغلبية وفيه أقلية، وعلى كلّ المستويات، دينياً، ومذهبياً، وعرقياً، وأيديولوجياً، وسياسياً. ليس صحيحاً أن الجميع متساوون في الحقوق، ومع ذلك لا يعني هذا أن نستورد الأعطاب في المواطنة الغربية إلى المواطنة الحقَّةِ المتساوية التي ننشدها عربياً. لكن، مرّة أخرى، لا يمكن لمجتمع أو دولة أن يقوما ويعملا من دون أغلبية ومن دون أقلية، هذا هو واقع الحال، وهذا هو العدل متحقّق نسبياً، إذ لا توجد عدالة مطلقة في هذه الدنيا. كلّ مجتمع محتاج إلى آليات تحول دون نشوء ديكتاتورية أغلبية، وكذلك ديكتاتورية أقلية.
في سورية، عاشت الأغلبية أكثر من ستة عقود تحت نير أقلية مذهبية وأيديولوجية وسياسية، وسيحتاج الأمر بعض وقتٍ حتى تُطَوَّر مرجعيات دستورية، وقوانين، وأفكار، وسياسات، وآليات لتحقيق توازنات المواطنة، بحيث تتحوّل الأغلبية والأقلية إلى ديناميكيات مجتمع حيٍّ، لا إلى مناطحة كباش. أمّا من كان يظنّ أن وضعه الأقلويُّ، مذهبياً أم عرقياً، يخوّله الحقَّ في أن يستقوي بإسرائيل المجرمة على دولته وشعبه، حيناً لا تصبح المسألة مسألة مواطنة، بل قطع دابر فتنة من جذورها. وكلمة أخيرة موجّهة إلى العرب المنادين بالتطبيع مع إسرائيل. اعتبروا ممّا تفعله هذه الأخيرة في سورية، إن كنتم ما زلتم تصرّون على عدم الاعتبار ممّا يجري في قطاع غزّة والضفة الغربية، فما أنتم في المقاربة الإسرائيلية إلا رؤوس تنتظر أوان قطفها. ألم تملّوا من كثرة ما يردّد نتنياهو (بدعم من الولايات المتحدة) أن الغاية الكبرى اليوم إعادة تشكيل الشرق الأوسط. أين كلّنا جميعاً، نحن وأنتم؟