مكانة المرأة في إيران
إيرانية تحمل كتبا خلال فعالية شارع الكتاب وسط طهران (20/11/2025 Getty)
تميزت الحضارة الإيرانية عبر آلاف السنين بقدرتها على الاستمرار والتجدّد، وبثبات مقوماتها الثقافية والاجتماعية، رغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة والعالم. وفي قلب هذا البناء الحضاري، تقف المرأة الإيرانية، التي لعبت دوراً مركزيّاً في نشوء المجتمع وتقدّم الدولة، سواء من خلال مساهمتها المباشرة في مجالات العلم والثقافة والاقتصاد والسياسة، أو عبر دورها الجوهري داخل الأسرة بوصفها أما ومربية وناقلة للقيم.
ومع أن دور المرأة ظل حاضراً بقوة في الواقع الاجتماعي، فإنّ سردياته كثيراً ما بقيت ناقصة أو مهمّشة، ما يستدعي قراءة معمّقة لإسهامات المرأة الإيرانية وأثرها في تشكيل الهوية الوطنية ومسار التنمية. وقد شهدت العقود الأخيرة تنامياً ملحوظاً في حضور المرأة في المؤسّسات التعليمية والبحثية، فقد ارتفعت نسب مشاركة النساء في الجامعات، سيما في مجالات الطب والهندسة والعلوم الأساسية، والبحث العلمي. وأسهمت الباحثات الإيرانيات في تطوير مشاريع تقنية وطبية، وشاركن في المؤتمرات الدولية، ونلن جوائز مرموقة في ميادين مختلفة.
إضافة إلى ذلك، ربطت الدراسات التنموية بين ازدهار الاقتصاد الإيراني وزيادة نسبة انخراط النساء في سوق العمل، فالمرأة الإيرانية لم تعد محصورة في الأعمال التقليدية، بل انخرطت في القطاعات الإنتاجية وريادة الأعمال، والصناعات الإبداعية، إضافة إلى حضورها المتنامي في الشركات التقنية والاقتصاد الرقمي. وقد ساعد هذا التحوّل على توفير بيئة أكثر عدالة في توزيع الفرص وتنويع مصادر النمو.
كما يعد المجال الثقافي من أهم ساحات تأثير المرأة في إيران، فقد قدّمت الكاتبات والشاعرات والفنانات أعمالا شكلت جزءاً محورياً من المشهد الثقافي الإيراني الحديث. كما شاركت النساء في صناعة السينما والمسرح والفنون البصرية، وأسهمن في توسيع نطاق التعبير الثقافي وتعميق الحراك الفكري.
تشكّل المرأة نحو 60% من الكوادر التعليمية في إيران، في دلالة على دورها المحوري في بناء الأجيال القادمة
ولعبت المرأة دوراً مهماً في المؤسسات الاجتماعية والسياسية، سواء عبر النشاط المدني، أو المشاركة في الهيئات التمثيلية، أو من خلال العمل في المنظمات الاجتماعية والتنموية. كما شاركت بفاعلية في صياغة السياسات المتعلقة بالأسرة والطفولة، والصحة، والتعليم، ما يعكس مكانتها بوصفها شريكا أساسيا في إدارة الشأن العام.
أولاً، المشاركة في قطاع التعليم: يؤكد الدستور الإيراني حق الجميع في التعليم المجاني حتى المرحلة الثانوية، إلى جانب إتاحة فرص التعليم العالي. وقد ساهمت وثيقة حقوق المرأة ومسؤولياتها والقوانين الحداثية في تحقيق العدالة التعليمية.
وقد شهدت إيران ارتفاعا ملحوظاً في نسب التحاق الفتيات بالتعليم. وهذا الأمر يظهر تغييرا مجتمعيّاً كبيراً في النظرة إلى تعليم الفتاة، وانعكس على تعزيز دور المرأة في المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية. ووفرت مؤسسة النخبة الوطنية دعماً خاصّاً للطلاب المتفوقين، منهم 15,772 طالبة من أصل 62,500 مستفيد (بنسبة 25%).
وفي الأولمبيادات الدولية لعام 2024 حقق الطلاب الإيرانيون المرتبة الثالثة عالميّاً: المركز الأول في أولمبياد الفلك والفيزياء الفلكية. المركز الرابع في الأحياء والفيزياء. المركز الثامن في الكيمياء. المركز التاسع في علوم الحاسوب. المركز الثامن عشر في الرياضيات.
كما تشكّل المرأة نحو 60% من الكوادر التعليمية في البلاد، في دلالة على دورها المحوري في بناء الأجيال القادمة.
ثانياً، المشاركة السياسية والإدارية للمرأة: تؤكّد قوانين الجمهورية الإسلامية على حقّ المرأة في المشاركة السياسية وتولي المناصب. وقد ارتفعت نسبة مديرات الأجهزة الحكومية من 12% إلى 30% خلال السنوات الأخيرة.
وفق "الكتاب السنوي للإحصاءات الإدارية" لعام 2022: مجموع موظفي الدولة: 2,246,397 شخصاً. الرجال: 1,247,559 (56%). النساء: 998,838 (44%).
توزیع عمل النساء حسب الفروع الحكومية (2023)... 45.9% في السلطة التنفيذية. ... 22.98% في السلطة القضائية. ... 13.31% في السلطة التشريعية. ... 17.81% في المؤسسات غير الخاضعة للسلطات الثلاث.
أولت إيران اهتماماً كبيراً لدمج المرأة في المناصب البيئية والتخطيط الاستراتيجي
نمو المناصب الإدارية النسائية: بين عامي 2020 و2023 ارتفع عدد المديرات من: 19,597 في عام 2020 إلى 42,396 في عام 2023. ومع تشكيل "حكومة الدكتور بزشكيان" في صيف 2024، تم: تعيين أكثر من 190 امرأة في مناصب عليا. كما بلغت مشاركة النساء في الانتخابات الرئاسية 49%.
ثالثاً، مشاركة المرأة في شؤون البيئة وإدارة الأزمات: أولت إيران اهتماماً كبيراً لدمج المرأة في المناصب البيئية والتخطيط الاستراتيجي: ترؤس المرأة لمدة خمس دورات متتالية لمنصب نائب الرئيس ورئيسة منظمة البيئة. قيادة المرأة للمنظمة الوطنية للأرصاد الجوية. حصولهن على ربع المناصب الإدارية العليا في مؤسسات البيئة. مشاركتهن في الهيئات الإقليمية لمنظمة الأرصاد العالمية. ... كما أنشأت إيران برامج تعليمية بيئية للمدارس والمعاهد التقنية.
وفّرت الدولة: مستلزمات صحية وطبية للنساء في مناطق الكوارث. قروضاً منخفضة الفائدة للأسر التي تعولها نساء. ملاجئ آمنة للمتضرّرات. ... وأنشئت مجموعة عمل المرأة وتغيير المناخ لتعزيز دور المرأة في مواجهة التحديات البيئية.
ساهمت جهود الدولة في توفير بيئة أكثر عدالة وفرصاً متساوية تمكّن النساء من الوصول إلى أعلى مواقع التأثير والقيادة
رابعاً: المشاركة الرياضية للمرأة. حققت الرياضيات الإيرانيات إنجازات بارزة: أكثر من 3950 ميدالية دولية. مشاركة 935 ألف رياضية محترفة على مستوى البلاد.
المرأة في الإدارة الرياضية الدولية: 85 امرأة في منظمات رياضية دولية. أكثر من مائة منصب قيادي رياضي دولي. 51 رئيسة ونائبة لرئيس اتحادات وطنية. 70 رئيسة للجان رياضية في المحافظات.
التدريب والتحكيم: تسعة آلاف مدربة رياضة. 150 ألف مدرّبة محترفة. 97 ألف حكمة في مختلف الألعاب. 16,111 ناد رياضي خاص بالنساء.
في الختام، يجب القول إن هذه الإنجازات تعكس التزام إيران بتعزيز مكانة المرأة في مختلف المجالات، من التعليم والسياسة إلى الزراعة والبيئة والرياضة. ويؤكّد هذا التقدّم أن المرأة الإيرانية أصبحت ركيزة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة وصناعة المستقبل، وأن جهود الدولة ساهمت في توفير بيئة أكثر عدالة وفرصا متساوية تمكّن النساء من الوصول إلى أعلى مواقع التأثير والقيادة.